مقالات

مجلس التعاون بحكمة قادته تجاوز كل الأزمات

عندما أعلن قادة 6 دول خليجية ( السعودية ـ قطر ـ الكويت ـ عمان ـ الإمارات ـ البحرين ) عن قيام منظومة جديدة بالمنطقة تحت اسم « مجلس التعاون لدول الخليج العربي « كانت الحرب العراقية الإيرانية قد مضى عليها نحو 8 أشهر، فولد المجلس في ظل أجواء حرب طاحنة ولهيب متصاعد، والتي استمرت ـ الحرب ـ 8 سنوات، في واحدة من أصعب الظروف التي مرت على المنطقة، وعلى هذه المنظومة الوليدة.

منذ تأسيسه سعى المجلس إلى حماية كيانه ( دوله الست ) من وصول النار إليها، واستطاع أن يحقق ذلك بدرجة عالية، رغم تعرض بعض العواصم الخليجية إلى استهدافات عبر محاولات تفجير واغتيالات، إلا أن المحصلة، نجح المجلس بحكمة قادته أن يحافظ على تماسك المجلس، وحماية جبهته الداخلية، رغم كل المحاولات التي سعت للزج بالمنظومة الخليجية أو بعض دولها في هذه الحرب، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل.

نشأة المجلس لم تكن « ولادة طبيعية، « بمعنى أنها لم تأت في ظروف عادية تمر بها المنطقة، كما هو الحال بالنسبة للعديد من التكتلات والمنظمات في قارات العالم المختلفة، إنما جاءت في ظروف أمنية بالغة التعقيد، وبالرغم من ذلك صمد المجلس، وسعى إلى تعزيز أركانه في القطاعات الأخرى، رغم الهاجس الأمني العالي الذي كان يشغل قادة المجلس وشعوبه كذلك.

ولم يمض عامان على توقف الحرب العراقية الإيرانية، حتى وقعت كارثة غزو الشقيقة دولة الكويت من قبل نظام صدام حسين في أغسطس 1990، والذي أدخل المنطقة كلها في نفق مظلم، وأظهرت المنظومة الخليجية بدولها الست موقفا تاريخيا شكّل جسدا واحدا، متعاهدين على تحرير الكويت، وتسخير كل الإمكانيات المتوفرة لدى هذه الدول من أجل هذا الهدف السامي، وبالفعل كان « الكتف بالكتف « حتى تم التحرير.

ولم تقف التحديات والأزمات بالمنطقة عند هذا الحد، بل استمرت هذه المنطقة تنتقل من مربع حروب وأزمات إلى مربع آخر، من ذلك الإطاحة بنظام صدام حسين، ومن ثم احتلال العراق، وما أعقب ذلك من تداعيات على الإقليم بأسره، ثم كان ما عرف بالربيع العربي، والتي شملت ثورات في عدد من الدول العربية..، وما نتج عنها من مواجهات وفوضى وأزمات.

لأكثر من أربعة عقود والمنطقة لم تستقر، لكن المنظومة الخليجية « مجلس التعاون الخليجي « ظل صامدا في وجه كل العواصف التي ضربت المنطقة والإقليم، وفي كل أزمة كان يخرج أكثر قوة وصلابة، وأكثر إيمانا بأهمية ليس فقط بقاء هذا المجلس، بل بضرورة تدعيم صفوفه، والعمل على مزيد من التكامل في مجالاته المختلفة.

هذه الأزمات والحروب التي ضربت المنطقة، استطاع المجلس أن ينأى بنفسه عنها، وأن يواصل حماية الداخل من أن تصل إليه نيران تلك الحروب، هي نتاج حكمة لقادة دول المجلس، والحرص على بقاء هذه المنظومة، والإيمان بدورها وأنها تشكل مظلة يستظل تحتها الجميع، وطنا واحدا وشعبا واحدا.

استطاع قادة مجلس التعاون الخليجي التعامل بحكمة وروية وعقلانية مع كل الأزمات التي ضرت المنطقة، واستطاعوا إدارة هذا الملف المثقل بالأزمات والصراعات والحروب بتعاون وتكاتف وتعاضد، مكنتهم من الوصول بسفينة هذا المجلس إلى شاطئ الأمان، وأن يحموا شعوب المنطقة من التعرض إلى نيران الحروب.

نعم ظلت الجبهة الداخلية الخليجية مصانة من الاختراق، وجنبا الى جنب مع هذه الحصانة والحماية، كانت هناك التنمية الشاملة التي شهدتها دول المجلس الست في كل المجالات، وكان الاستثمار الأكبر في الإنسان الخليجي، الذي تصدر الأولويات، فرأينا حجم المنجزات التي تحققت خلال السنوات الماضية، والتي عكست حكمة وإرادة قوية من قبل قادة دول المجلس بالمضي معا من أجل خليج آمن مستقر ومزدهر ومسالم.

اليوم تتعرض عواصمنا الخليجية لاستهداف إيراني خطير في انتهاك صارخ للسيادة الوطنية والقوانين الدولية، عبر الهجمات العسكرية، التي طالت منشآت ومرافق مدنية حيوية ومطارات وبنى تحتية، واستشهد وأصيب المئات من المواطنين والمقيمين في دول الخليج.

لم يسبق أن تعرضت دول الخليج لهجوم عسكري بهذا الحجم الضخم من الصواريخ والطائرات المسيّرات والطائرات الحربية، وبالرغم من أن كل القوانين الدولية والتشريعات الأممية، تتيح لدول الخليج الرد على الهجمات التي تتعرض لها، إلا أنها حتى اللحظة تتحلى بضبط النفس، ولم تنجر للدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، التي تستهدف ليل نهار هذه الدول.

حكمة خليجية ظهرت مجددا في التعامل مع هذه الأزمة الخطيرة، وهذه الحرب التي يراد أن تزج بها الدول الخليجية لتكون طرفا في حرب « لا ناقة لها فيها ولا جمل «.

إن قادة دول مجلس التعاون يتحلون بحكمة وضبط النفس، ويتعاملون مع الاستهداف الإيراني للعواصم الخليجية بعقلانية، بعيدا عن الانفعال أو ردة الفعل.

هذه الحكمة التي ميزت قادة مجلس التعاون الخليجي هي التي حمت هذه المنظومة بعد الله عز وجل، وهي التي أبقت هذا الكيان قائما راسخا قويا، وهو الوحيد بالمناسبة الذي بقى من عدد من التكتلات العربية التي تأسست ثم اختفت.

سنتمكن بعون الله ثم بحكمة قادة المجلس واخوّة شعوبه، من تجاوز هذا المنعطف الخطير، والاستهداف « الناري « الذي تتعرض له عواصمنا الخليجية من قبل إيران، التي لم تحترم الجوار، وطغت على الجيرة، رغم الإحسان الكبير الذي طالما قدمته دول المجلس لها، وساهمت في رفع المعاناة عنها، وسعت بكل ما تستطيع للتوسط بينها وبين المجتمع الدولي لحلحلة الكثير من المشاكل والأزمات التي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي، لكنها تنكرت لكل ذلك، وهي اليوم تستهدف الخليج بالنيران وبهجمات معتدية ظالمة.

سيخرج الخليج ـ كما كان في كل مرة ـ من هذه الأزمة وهو أقوى صلابة، وأكثر تماسكا، وأشد عزيمة، وأمضى إرادة..، وستظل جبهتنا الداخلية تتكسر عليها كل الهجمات.

الخليج عائلة واحدة.. نسيج واحد.. مصير واحد.. قلب واحد.. وكل أزمة تثبت أننا على قلب رجل واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى