وزير الداخلية والبلديات اللبناني: دعم قطري للحكومة اللبنانية لبسط سيادتها
زيارة رئيس الوزراء إلى لبنان حملت رسائل دعم وطمأنة.. ومبادرة من الشيخ خليفة بن حمد بن خليفة آل ثاني بإنشاء لجنة أمنية قطرية لبنانية

أكد وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار، أن زيارته الأولى إلى الدوحة أسفرت عن اتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين وزارتي الداخلية في البلدين، تتولى متابعة ملفات التعاون الأمني وتنسيق الجهود وتبادل الخبرات، وذلك بمبادرة من سعادة الشيخ خليفة بن حمد بن خليفة آل ثاني وزير الداخلية. وتأتي هذه الخطوة امتدادا لنتائج زيارة معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الى لبنان، والتي تؤكد حرص الدوحة على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، في ظل التحديات الإقليمية الراهنة، وهو موقف قطري ثابت جددته الدوحة مراراً بدعم سيادة لبنان واستقراره ودعم جيشه وقواه الأمنية.
وفي حواره الذي جاء عقب تدشينه الجواز البيومتري في مقر السفارة اللبنانية في الدوحة، تحدث الوزير الحجار في عن عمق العلاقات القطرية اللبنانية، مؤكدا رفع التعاون والتنسيق الأمني مع قطر إلى المستوى الاستراتيجي، مشيرا إلى أن قطر تدعم بشكل مطلق الحكومة اللبنانية في بسط سيادتها الكاملة.
وتطرق الوزير الحجار لكيفية ترجمة هذا الدعم القطري إلى تعاون عملي ملموس على الأرض، في وقت تبحث فيه بيروت عن شركاء إقليميين ودوليين لدعم قدراتها الأمنية واللوجستية.
أما على الصعيد الداخلي أكد أهمية الحفاظ على الثوابت اللبنانية، وهي بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية والسيادة والاستقلال، وقال إن اللبنانيين ليسوا بحاجة إلى التفاوض كأطراف وقوى سياسية، لكن الحوار مطلوب دائماً، مشيرا الى أن صيغة الحوار تعود إلى المسؤولين.
وقال: ليست صيغة الحوار هي الأهم، وإنما ثقافة الحوار نفسها. يجب أن تكون لدينا دائماً ثقافة تقبل الآخر، فعندما نجلس ونتحدث مع بعضنا، نستطيع الوصول إلى نقاط مشتركة. ولا يمكن للبنانيين أن يختلفوا بصورة مطلقة حول كل شيء؛ فهناك دائماً مساحة مشتركة يمكن البناء عليها وتطويرها.

ويرى وزير الداخلية والبلديات اللبناني ان التسويات كانت السبيل لخروج لبنان من كل الازمات مر بها وأشار إلى أن الأمور ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. ونحن قادرون على الاتفاق حول هذا المبدأ، وعلينا العمل لترسيخه بصورة أكبر. معربا عن امله، بمساعدة جميع الأشقاء الذين يقفون دائماً إلى جانب لبنان، وبأن نتمكن من الخروج من هذه الأزمة أكثر قوة.
وتطرق إلى موضوع تقصير ولاية مجلس النواب، فقال نحن في وزارة الداخلية، مهما كانت الظروف، سنكون جاهزين لإجراء الانتخابات في موعدها عندما تُقصّر ولاية المجلس، وتُحدد لنا المهلة اللازمة لإجرائها. فلا خيار سوى إجراء الانتخابات. مشيرا الى إمكانية وتنظيم الاقتراع خارج المناطق المتضررة والمحتلة كما فعلنا خلال الانتخابات البلدية والاختيارية، عندما أنشأنا مراكز اقتراع خارج القرى المحتلة أو التي كانت تواجه أخطاراً أمنية.
◄ شهد لبنان مؤخراً زيارة لمعالي رئيس مجلس الوزراء القطري، التقى خلالها الرؤساء الثلاثة ومسؤولين في مختلف القطاعات. ماذا تعني هذه الزيارة، وما أبرز نتائجها؟
العلاقات بين لبنان وقطر علاقات مميزة ومتجذرة منذ عقود طويلة. وكانت زيارة معالي رئيس مجلس الوزراء القطري زيارة مباركة، تعكس مدى اهتمام قطر باستقرار لبنان ووحدته وازدهاره، وحملت رسائل ايجابية ورسائل طمأنة على أكثر من صعيد.
فعلى الصعيد السياسي، أكدت الزيارة الدعم المطلق لمواقف لبنان وقيادته في مسار إعادة سلطة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً، كما ورد في البيان الوزاري، إلى جانب دعم تمسك الدولة والحكومة والقيادة اللبنانية بالوحدة الداخلية، وتعزيز الثقة واللحمة بين الدولة والشعب.
وفي الوقت نفسه، اكدت الزيارة دعم لبنان في مساعيه الدبلوماسية لتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وإعادة النازحين إلى أراضيهم، والمضي في مسار التعافي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، هناك دعم خصوصاً في مجال الطاقة، الذي يشكل أحد التحديات الأساسية في لبنان، ولا سيما تأمين الكهرباء للمواطنين والتخفيف عن كاهلهم. وقد جرى بحث هذا الموضوع، وهناك متابعة حثيثة وجدية بين الوزارات والمسؤولين المعنيين، ونأمل أن تصل إلى النتائج المرجوة في المستقبل القريب.
◄ هل يمكن القول إن الزيارة تمثل دفعة جديدة للعلاقات الثنائية، وتعزيز الشراكة ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية؟
بالتأكيد. هذا تحديداً ما تعنيه الزيارة؛ تعزيز الشراكة والتعاون بين الدولتين، ومزيد من الاستثمار في الاستقرار اللبناني، سواء على الصعيد الأمني أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
• قطاع الطاقة
◄ يمثل قطاع الطاقة ركيزة أساسية للتنمية في لبنان، إذ لا يمكن بناء تنمية أو استقطاب مستثمرين في ظل عدم القدرة على توفير الطاقة. كيف يمكن تسريع إنجاز مشروعات التعاون في هذا المجال من خلال مؤسسات الدولة اللبنانية؟
بناءً على الاجتماعات التي عُقدت، جرى تكليف الإدارات المعنية بصورة سريعة، وفي مقدمتها وزارة الطاقة ووزارة الاقتصاد والجهات الأخرى ذات الصلة. حيث يتولى رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام متابعة هذا الموضوع شخصياً.
إن موضوع الطاقة حيوي لجميع القطاعات. وإذا نظرنا إلى ما حدث على مستوى العالم، نجد أن الأزمة التي شهدتها منطقة الخليج العربي، وهي مصدر أساسي لموارد الطاقة لدول العالم، إلى جانب ما حدث في مناطق أخرى بأوروبا وغيرها، شكلت ضغطاً على الاقتصادات العالمية جميعها.
وقد انعكست هذه الضغوط على لبنان أيضاً، من خلال ارتفاع الأسعار ونقص الموارد اللازمة لتوفير الطاقة للبنانيين بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يضغط على الاقتصاد اللبناني.
وقطر لديها تجربة ناجحة وخبرة طويلة في هذا المجال، ونأمل أن تشكل الجهود الحالية والدعم القطري رافعة لقطاع الطاقة والاقتصاد اللبناني في المستقبل القريب.
• دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي
◄قدمت قطر دعماً للجيش اللبناني طوال السنوات الماضية. ماذا يعني استمرار هذا الدعم لمؤسسة تحظى بإجماع اللبنانيين، وإلى أي مدى يمكن أن يمتد الدعم ليشمل قوى الأمن الداخلي؟
تقدم قطر منذ سنوات طويلة دعماً مشكوراً ومباركاً ومهماً جداً للجيش اللبناني على مختلف الأصعدة. وهو الدعم الذي مكن الجيش من الاستمرار بدوره والمهام الكثيرة المسندة. ومنذ أيام قليلة، شاهدنا وصول دفعة جديدة من المساعدات إلى الجيش اللبناني، وسبقتها مساهمات كبيرة في مجالات متعددة.
إن دعم الجيش اللبناني ومؤسسات الشرعية اللبنانية يمثل أساساً لإعادة بناء سلطة الدولة وتثبيتها، وتعزيز سيادتها على أراضيها ومسؤوليتها تجاه مواطنيها.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن للجيش اللبناني أن ينجح في الانتشار وأداء جميع مهماته بمفرده، لأن قوى الأمن الداخلي، بالدرجة الأولى، والأجهزة الأمنية الأخرى، تؤدي دوراً أساسياً في تخفيف الضغط عنه، وإفساح المجال أمامه للقيام بمهماته الأساسية على الحدود وفي المناطق التي تشهد أخطاراً وتحديات أمنية كبيرة.
وفي المقابل، تكون قوى الأمن الداخلي القوة الأساسية في مكافحة الجرائم والإرهاب والجريمة المنظمة، والتعامل مع مختلف القضايا اليومية للمواطنين.
ولذلك، فإن دعم قوى الأمن الداخلي أمر أساسي جداً. وقد نُظم منذ فترة غير بعيدة مؤتمر تحضيري في باريس لمؤتمر الدعم، ونأمل أن يُعقد المؤتمر الأساسي وأن يسفر عن حشد الدعم للجيش وقوى الأمن الداخلي.وهناك خطط لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي في هذا المجال، ونحن نتابع هذا الموضوع مع مختلف المسؤولين، وخصوصاً المسؤولين في قطر.

• المحادثات في الدوحة
◄ خلال زيارتكم الى الدوحة كان لكم لقاءات ومحادثات ما مضمونها؟
أنا موجود في الدوحة بدعوة كريمة من سعادة وزير الداخلية القطري الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وقد التقيته، وكان اللقاء مثمراً للغاية، وعلى مستوى عالٍ من التنسيق والتعاون، بما يصب في إطار توسيع الدعم للجيش اللبناني، وكذلك لقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية.
وقد كانت هناك مبادرة طيبة من سعادة الوزير الشيخ خليفة بإنشاء لجنة أمنية مشتركة بين الوزارتين، لتطوير التعاون وتعزيز التنسيق.
وجميع هذه الخطوات تصب في التوجه العام لدعم مؤسسات الدولة اللبنانية والشرعية اللبنانية، وإعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان.
• لجنة أمنية مشتركة بين قطر ولبنان
◄ ما أبرز ملامح المرحلة الجديدة من التعاون بين وزارتي الداخلية في قطر ولبنان، وما الذي جرى الاتفاق عليه خلال لقائكم مع سعادة الشيخ خليفة؟
التنسيق قائم بالفعل بين الوزارتين، وهناك ضباط أمن ومسؤولون في السفارة القطرية بلبنان، ونحن على تواصل دائم.
كما يوجد تعاون في مكافحة المخدرات ومكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات.
وجاء لقاؤنا اليوم مع سعادة الوزير لرفع مستوى التعاون والتنسيق إلى المستوى الاستراتيجي، ومستوى اتخاذ القرار.
وإن تشكيل اللجنة الأمنية المشتركة، وفق المبادرة التي طرحها سعادته، ستكون خطوة استراتيجية لرسم خطط التعاون والتنسيق في مختلف المجالات، ومنها تبادل المعلومات والتدريب. خصوصا وان قطر لديها خبرات متقدمة جداً في هذه المجالات، ونأمل أن تكون هذه المبادرة نقطة انطلاق لترسيخ التعاون بصورة أكبر.
وفي الخلاصة يمكن القول إن الأمن اليوم أمن شامل، ولا يمكن النظر إلى أمن كل دولة بمعزل عن أمن الدول الأخرى. فأمن لبنان ودول الخليج مترابط، ولبنان لا يستطيع العيش بمعزل عن محيطه العربي، كما أن دول الخليج تنظر إلى لبنان باعتباره يتمتع بمكانة ورونق ومحبة خاصة.
وهناك مسار طويل من التعاون والتنسيق بين قطر ولبنان، ونأمل أن تشكل هذه المبادرة خطوة مميزة لتطوير العلاقات بين الوزارتين.
◄ هل ستُعقد اجتماعات قريبة لتأسيس اللجنة الأمنية المشتركة ووضع إطار عملها؟
اقترحنا هذا الأمر اليوم مع سعادة الوزير، وسنبدأ مباشرة بالتنسيق لتشكيل اللجنة، ووضعها على مسار العمل بصورة سريعة.
• التكامل بين المؤسسات الأمنية في الجنوب
◄ في ظل التحديات التي يواجهها لبنان، خصوصاً في الجنوب والاحتلال الإسرائيلي، إلى أي مدى يوجد تكامل بين الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لبسط السيطرة وتعزيز الأمن؟
يبدأ هذا الموضوع من القرار السياسي. والقرار السياسي في لبنان واضح، فقد اتخذت الحكومة اللبنانية قرارات واضحة تتعلق ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً.
أما التطبيق على الأرض، فقد كُلف الجيش اللبناني خلال الفترة السابقة بإعداد خطة، ووضع هذه الخطة وبدأ تنفيذها.
وكان هناك تنسيق بين المؤسسات، بل إن الجيش اللبناني طلب تعزيز وجود قوى الأمن الداخلي، بما يحقق التكامل في العمل.
لكن في الثاني من مارس 2026، اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان، وحدث دمار واحتلال، ما أدى إلى تغير الظروف وتضاعف التحديات.
واليوم، تتمثل الأولوية القصوى للدولة اللبنانية في تحرير الجنوب وإعادة بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها.
وبطبيعة الحال، يستفيد لبنان من أي تهدئة إقليمية، بينما ينعكس أي تصعيد في المنطقة سلباً عليه.
وفي الوقت نفسه، تبذل الدولة اللبنانية جهوداً دبلوماسية عبر المفاوضات التي تسهلها الولايات المتحدة، بهدف تحرير الجنوب وانسحاب الجيش الإسرائيلي بالكامل من جنوب لبنان، وإعادة النازحين إلى أراضيهم، وإعادة إعمار القرى التي تعرضت لدمار كبير، واستعادة أسرانا، وإعادة الحياة إلى هذه المنطقة العزيزة من لبنان.
الأمور شائكة وليست سهلة، لكن ليس أمامنا خيار سوى مواصلة هذا المسعى، وهو ما تبذل الدولة اللبنانية من أجله جهوداً كبيرة.
وهناك أيضاً دعم ومساعدة من الدول الصديقة، وفي مقدمتها قطر، وقد تحدثنا عن الدعم السياسي الكبير للموقف اللبناني في هذا الشأن، ونأمل أن تصل هذه الجهود إلى نتائجها المرجوة مستقبلاً.
• التحديات وجاهزية وزارة الداخلية
◄ إلى أي مدى تتمتع وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية بالجاهزية لمواجهة هذه التحديات الكبيرة؟
وزارة الداخلية والبلديات جاهزة لمواجهة جميع التحديات. فلا خيار أمامنا سوى الجاهزية الكاملة، وليس الجاهزية الجزئية.
وجاهزية الوزارة عالية جداً، وهناك إجراءات ميدانية تُنفذ يومياً وبصورة مستمرة، ولدينا أجهزة أمنية تتمتع بمستوى عالٍ من الاحترافية والجدية والفعالية.
ونعمل على مصادرة أي ذخائر أو متفجرات أو أسلحة غير مرخصة، وإحالة جميع الموقوفين والمرتكبين والمسؤولين عن المخالفات إلى القضاء المختص.
وهناك تنسيق كبير بين الأجهزة اللبنانية، إذ يرأس وزير الداخلية مجلس الأمن الداخلي المركزي، الذي يضم ممثلين عن أجهزة وزارة الداخلية، وفي مقدمتها قوى الأمن الداخلي والأمن العام، إضافة إلى الجيش اللبناني وأمن الدولة وغيرها من الأجهزة، وكذلك الأجهزة الإدارية والمحافظين.
ويهدف المجلس إلى تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات لتحقيق مزيد من الأمن والاستقرار.
وخارج الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، هناك قدر كبير من الأمن والاستقرار، رغم جميع التحديات التي تحدثنا عنها.
وهذا يعود إلى جدية الحكومة ووزارة الداخلية، ووضوح الإرادة، وفعالية الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني على الأرض.
صحيح أن هناك نقصاً في الموارد البشرية بأجهزتنا، ونقصاً في الأجهزة التقنية والتجهيزات على أكثر من صعيد، لكن في المقابل لدينا قوة في القرار السياسي، وقرار واضح على مستوى وزارة الداخلية، وكفاءة وفعالية لدى أجهزتنا الأمنية.
وأعطي مثالاً على ذلك مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، الذي شهد تطورات إيجابية كبيرة، وتحسناً ملحوظاً في الخدمات، وتعزيزاً كبيراً لإجراءات مكافحة التهريب والضبط الأمني.
وهذه النتائج واضحة للعيان، وقد شهدنا مؤخراً مزيداً من الثقة الدولية، ومنها قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر عن الصادرات، وهي رسائل ثقة بإجراءات الدولة اللبنانية.
ونواصل العمل بصورة أكبر على مستوى جميع المعابر البرية والبحرية. وهذا مسار طويل، لكن الإرادة والهدف واضحان.
• حضور الدولة في الجنوب
◄ هناك من يعتبر ان الدولة مقصرة بحق الجنوب وابنائه ؟
الدولة تقوم بواجبها على اكمل وجه وأعطي مثالاً على ذلك الجنوب اللبناني، الذي يُعد اليوم من أكثر المناطق معاناة، إذ إن جزءاً منه محتل، وهناك دمار ونزوح كبير.
وقد نزلنا إلى الجنوب برفقة فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة، أنا وعدد من زملائي، وزرنا مدنه وقراه، وشاهدنا الأوضاع بأعيننا.
والناس هناك بحاجة إلى حضور الدولة بصورة أكبر، وهو ما نعمل على تحقيقه من خلال توفير الأمن عبر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وغيرها من الأجهزة.
وقد كثفنا الوجود الأمني لطمأنة المواطنين، وعادت الأجهزة الإدارية لتقديم الخدمات من خلال مختلف إدارات الدولة.
وفي الوقت نفسه، تعمل الدولة على إصلاح وتطوير البنية التحتية التي دمرتها الاعتداءات.
إن عودة الدولة وتعزيز حضورها أمر ضروري لتقوية الثقة بينها وبين المواطنين.
ولا خيار إلا بالعودة إلى الدولة، واحتضانها لجميع أبنائها، ووحدة اللبنانيين ووحدة القرار.
وهذا ما نعمل عليه، ومهما تغيرت الظروف أو واجهنا من أخطار وصراعات في المنطقة تنعكس علينا سلباً، فلا خيار أمامنا سوى دولة واحدة وشعب واحد وجيش واحد.
• تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية
◄ إلى متى سيظل لبنان رهينة للصراعات الخارجية التي تنعكس على ساحته الداخلية؟
الأمر بيد اللبنانيين، ومسؤوليتنا ألا نترك لبنان رهينة لأي صراعات، وأن نعمل على تحييده عن الصراعات الخارجية.
وبطبيعة الحال، عندما تكون المنطقة التي نعيش فيها مستقرة ولا تشهد تصعيداً إقليمياً، فإن لبنان يتأثر إيجاباً، بينما ينعكس أي تصعيد سلباً عليه.
لكن قرار لبنان واضح، وهذا هو المسار الذي نمضي فيه بقيادة فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة، من خلال بذل جميع الجهود لتأمين مصلحة لبنان، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة سلطة الدولة، بغض النظر عما يجري في المنطقة.
ونأمل أن تكون المنطقة بعيدة عن التصعيد حتى نستفيد من ذلك إيجاباً، لكن واجبنا ألا ننتظر ما يحدث في المنطقة أو العالم، وإنما أن نبذل كل جهودنا لتحسين بلدنا والخروج من أزماتنا ومشكلاتنا.
• التواصل الاجتماعي
◄ من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي قد يشعر بأن لبنان على شفير صراع داخلي. ما الضوابط التي يمكن اعتمادها لضبط هذا الخطاب، وكيف يمكن التعامل مع وسائل التواصل؟
وسائل التواصل الاجتماعي تطورت كثيراً، وأصبح لها دور كبير في جميع دول العالم، وليس في لبنان وحده.
وهناك سهولة في الوصول إليها وإبداء الآراء من خلالها، لكن كثيراً من هذه الآراء قد لا يستند إلى وقائع حقيقية، وأحياناً تكون هناك آراء متطرفة أو مستفزة.
لكن في النهاية، فإن جميع اللبنانيين، في قرارة أنفسهم، يطمحون إلى العيش بسلام وأمان ووحدة.
أما الضوابط المتعلقة بوسائل الإعلام، فإن لبنان كان دائماً بلداً يتمتع بالحرية الإعلامية، ونحن متمسكون بهذه الحرية التي يحميها القانون.
وقد صدر مؤخراً قانون جديد للإعلام يتناول حماية الإعلام بصورة عامة، ووضع الضوابط اللازمة.
لكن هذا كله لا يكفي، فليست جميع الضوابط تُفرض بالقوانين والنصوص؛ إذ إن الضوابط تبدأ من النفوس.
وهذا ما نعمل عليه أيضاً من خلال تعزيز وحدة اللبنانيين، وتقريب الآراء ووجهات النظر بشأن هذا البلد الصغير، حتى نستطيع بناء الدولة معاً.
ولبنان قادر على استيعاب الجميع وإرضائهم، وكلما كانت الدولة قوية وقادرة على تقديم الخدمات لجميع أبنائها دون تمييز، استطعنا جمع الشعب حولها.

• الحوار الوطني وثوابت الدولة اللبنانية
◄ هل يطرح ذلك ضرورة تعزيز الحوار بين اللبنانيين؟
الحوار مطلوب دائماً، أما صيغته فتعود إلى المسؤولين. وفي رأيي، ليست صيغة الحوار هي الأهم، وإنما ثقافة الحوار نفسها. يجب أن تكون لدينا دائماً ثقافة تقبل الآخر، فعندما نجلس ونتحدث مع بعضنا، نستطيع الوصول إلى نقاط مشتركة. ولا يمكن للبنانيين أن يختلفوا بصورة مطلقة حول كل شيء؛ فهناك دائماً مساحة مشتركة يمكن البناء عليها وتطويرها.
وقد مر لبنان بأزمات كثيرة، وكانت الحلول تأتي دائماً عبر التسويات، لكن لهذه التسويات ثوابت لا يمكن التنازل عنها، وهي سيادة لبنان واستقلاله وسلطة الدولة الواحدة. وكما قلت، دولة واحدة وجيش واحد وشعب واحد.
ونحن قادرون على الاتفاق حول هذا المبدأ، وعلينا العمل لترسيخه بصورة أكبر. ونأمل، بمساعدة جميع أشقائنا الذين يقفون دائماً إلى جانب لبنان، أن نتمكن من الخروج من هذه الأزمة أكثر قوة.صحيح أن الأمور ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة.
• المؤسسات الدستورية بدائل للحوار
◄ هناك من ينتقد انشغال لبنان بالتفاوض مع إسرائيل، في حين لا يجري حوار كافٍ بين اللبنانيين أنفسهم. كيف تنظرون إلى ذلك؟
نحن لسنا بحاجة إلى التفاوض مع بعضنا بالمعنى الذي يُطرح أحياناً، فنحن دولة قائمة على اتفاق الطائف. ولا يصح القول إننا غير قادرين على الاجتماع معاً، فنحن نجتمع بالفعل.
فمجلس النواب ممثلة فيه جميع الأحزاب والفرقاء السياسيين والطوائف والمناطق، كما أن أغلبية الأحزاب السياسية والقوى الكبرى ممثلة في مجلس الوزراء.
وهذا يجعل العمل الحكومي مهماً جداً على مستوى السلطة التنفيذية، لأن مختلف الفرقاء ممثلون فيه.
ونحن نجتمع ونتخذ القرارات، وهناك بالتأكيد موضوعات تحتاج إلى مزيد من النقاش للوصول إلى مساحة مشتركة يمكن البناء عليها.
وهناك قرار ورغبة لدى جميع المسؤولين في هذا الاتجاه، بدءاً من فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة، كما أن مجلس النواب له دور أساسي في هذا الموضوع.
ونأمل خلال الفترة المقبلة أن نعمل بصورة أكبر، وأن نضع هدف توحيد موقفنا أمام أعيننا، فكلما كان موقفنا موحداً، كنا أكثر قوة.
• العلاقات اللبنانية السورية والتنسيق الأمني
◄ كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، خصوصاً في ظل الحديث عن مطلوبين لدى الجانبين، وما الضوابط التي تحكم هذه العلاقة؟
أستطيع القول إن العلاقات اللبنانية السورية اليوم في مستوى متقدم جداً، وهناك تنسيق كبير بين البلدين.
وقد جرت زيارات متبادلة عدة، وزرت سوريا برفقة دولة رئيس الحكومة، وإن شاء الله ستكون لدينا زيارة قريبة أيضاً.
وعُقدت لقاءات عديدة، وهناك تنسيق واسع، ولا خيار أمامنا سوى التنسيق الوثيق جداً مع سوريا على مختلف الأصعدة.
لدينا هموم مشتركة ومصالح مشتركة وحدود مشتركة طويلة.
والعلاقات اليوم في مستوى متقدم جداً، ونتطلع إلى تطويرها بصورة أكبر، وهناك إرادة وقرار واضحان لدى الدولة اللبنانية في هذا الاتجاه.
ولدي ثقة بأن الأشقاء في سوريا لديهم الإرادة نفسها لتطوير هذه العلاقات.
وعلى المستوى الشخصي، لدي علاقة جيدة جداً وتنسيق كبير مع وزير الداخلية السوري، وقد التقيته في مكة المكرمة خلال موسم الحج، وكان لقاء مطولاً بنينا عليه، وشكلنا نقاط تواصل. وهناك تنسيق أمني كبير بين أجهزة الدولة اللبنانية والسورية.
وكذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وفي ملف النازحين، لا خيار أمامنا سوى بناء أفضل العلاقات بين لبنان وسوريا.وهذا ما نعمل عليه بالفعل على مستوى قيادتي البلدين، وهذه قناعتي.
• الانتخابات النيابية والاستعدادات الإدارية
◄ هناك كتل نيابية تتقدم بطعون تتعلق بموعد الانتخابات النيابية. هل يستطيع لبنان إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال والظروف الراهنة، وما موقف وزارة الداخلية من هذا الملف؟
قبل حرب الثاني من مارس، كنا نستعد لإجراء الانتخابات النيابية في مايو 2026. وكان هناك جدل سياسي كبير حول إمكان إجراء الانتخابات، وحول القانون الانتخابي.
لكن وزارة الداخلية والبلديات كانت قد أنجزت التحضيرات، وكنا قادرين وجاهزين، ولدينا جميع الأدوات اللازمة لإجراء الانتخابات النيابية في مايو 2026، وفقاً لما ينص عليه القانون والدستور، وقبل انتهاء ولاية مجلس النواب.
فلا خيار أمامنا عند انتهاء ولاية المجلس سوى إجراء الانتخابات، وكنا جاهزين لذلك، وكانت الوزارة تمتلك الأدوات اللازمة. ثم جرى تأجيل الانتخابات بقانون بعد حرب الثاني من مارس، ومددت ولاية مجلس النواب.
وقد صدر قرار عن المجلس الدستوري ثبّت قانون التأجيل وتمديد ولاية مجلس النواب، لكنه أشار إلى أنه إذا سمحت الظروف، فعلى مجلس النواب تقصير مدة ولايته وإجراء الانتخابات.
ونحن في وزارة الداخلية، مهما كانت الظروف، سنكون جاهزين لإجراء الانتخابات في موعدها عندما تُقصّر ولاية المجلس وتُحدد لنا المهلة اللازمة لإجرائها. فلا خيار سوى إجراء الانتخابات.
ويمكن تنظيم الاقتراع خارج المناطق المتضررة، كما فعلنا خلال الانتخابات البلدية والاختيارية، عندما أنشأنا مراكز اقتراع خارج القرى المحتلة أو التي كانت تواجه أخطاراً أمنية.
• تعديلات تشريعية للانتخابات
◄ هل يتطلب إجراء الانتخابات في هذه الظروف تعديلات تشريعية؟
نعم، هناك حاجة إلى تعديل تشريعي معين، وقد تقدمت الحكومة بمشروع تعديل تشريعي أساسي يحقق هدفين.الهدف الأول هو تمكين المغتربين من الاقتراع من خارج لبنان، كما حدث في آخر دورتين انتخابيتين.
أما الهدف الثاني، فهو إنشاء ما يُعرف بـ«الميغا سنتر»، أي مراكز الاقتراع الكبرى خارج الدوائر الانتخابية.
والغاية من ذلك إتاحة المجال أمام الناخبين في القرى والمدن التي تواجه مشكلات أمنية أو احتلالاً أو ظروفاً مماثلة للإدلاء بأصواتهم في مراكز أخرى.
كما تتيح هذه المراكز للناخبين الاقتراع في أماكن سكنهم وفق خياراتهم، بما يخفف عنهم كثيراً من الأعباء.ونأمل إقرار هذا القانون.
لكن في جميع الأحوال، ومهما حدث، ليس أمام وزارة الداخلية، عندما يُحدد موعد انتهاء ولاية مجلس النواب، سوى إجراء الانتخابات قبل انتهاء الولاية.
• الزيارة الأولى إلى الدوحة
◄ هل هذه زيارتكم الأولى إلى الدوحة بصفتكم وزيراً؟
نعم، هذه أول زيارة لنا إلى الدوحة بصفتنا الوزارية، والدوحة أصبحت عاصمة سياسية عالمية تحتضن الفعاليات الكبرى الامنية والسياسية والاقتصادية والرقمية. وأشكركم على هذه الفرصة الطيبة، ونأمل أن نلتقي دائماً في أفضل الأحوال، وأن تكون لنا زيارة قريبة إن شاء الله.
• الدعم اللوجستي لقوى الأمن
◄ هل قدمتم طلبات تتعلق بالدعم اللوجستي لوزارة الداخلية اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، خصوصاً في ظل احتياجاتها الكبيرة من التجهيزات؟ وهل تناول اللقاء هذا الجانب؟
في الحقيقة، لم نتطرق إلى هذه التفاصيل مع سعادة الوزير، وإنما تحدثنا في الإطار العام.
وكان سعادة الوزير مبادراً، وأكد استعداد وزارة الداخلية القطرية لتقديم كل ما تستطيع لدعم وزارة الداخلية اللبنانية، وسأل عن متطلباتنا، مؤكداً الاستعداد للمساعدة وتلبيتها.
وخلال الفترة السابقة، أطلقت وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية خطة استراتيجية تمتد لأربع سنوات، تتضمن رؤية واضحة للمستقبل، وتحدد الأولويات والتحديات ومجالات التطوير والتحسين والدعم المطلوبة.
وفي الوقت نفسه، أعدت قوى الأمن الداخلي التابعة للوزارة خطة تستند إلى الخطة الاستراتيجية للوزارة، وتحدد احتياجاتها في مختلف المجالات، مع تفاصيل هذه الاحتياجات ومتطلباتها.
وهذه الموضوعات ستكون محل بحث في المرحلة المقبلة من خلال اللجنة الأمنية المشتركة التي اتفقنا على إنشائها.
• منع الصراع الداخلي وتعزيز الوحدة
◄ هناك أطراف تتمنى أو تدفع نحو صراع داخلي بين اللبنانيين. وإلى أي مدى يمكن أن تمثل وزارة الداخلية صمام أمان لمنع انزلاق لبنان إلى مثل هذا الصراع؟
لا يمكن للبنان أن يعيش في ظل صراع داخلي كبير. وأنا لدي ثقة بأن قوة لبنان تكمن أولاً في وحدة أبنائه وشعبه.
واليوم، لا يريد المواطنون اللبنانيون إلا الدولة. صحيح أن هناك نقاشاً حول الخيارات السياسية وموضوعات معينة، واختلافاً في الآراء، لكن لا خلاف على وحدة الدولة والشعب والموقف في لبنان.
وهذه نقطة قوة لا يمكننا إلا أن ننطلق منها، وقطر تدعم هذا التوجه، وكانت هذه إحدى الرسائل الأساسية التي حملها المسؤولون القطريون في مختلف اللقاءات.
ولا تنازل عن سلطة الدولة، ولا عن مكافحة أي نوع من عمليات التهريب أو الجرائم أو الاعتداء على أمن الدولة بأي شكل من الأشكال.
وفي الوقت نفسه، نريد الدولة الحاضنة لأبنائها، الدولة العادلة التي تنظر إلى جميع اللبنانيين، بغض النظر عن طوائفهم ومناطقهم، باعتبارهم أبناءها، وتقدم الخدمات لهم.




