د. أحمد البوعينين الأمين العام لدار الوثائق القطرية: إنجاز بنية توثيقية متكاملة بالتعاون مع 80 جهة
الانتهاء قريباً من مشروع كبير لتوثيق مسيرة الصحف القطرية.. ونعمل حالياً على إعداد دليل بأصحاب الوثائق والمكتبات الخاصة

في لحظة مهمة من تاريخ الذاكرة الوطنية، تبرز دار الوثائق القطرية بوصفها أحد أهم الصروح المعرفية، التي تعيد تعريف العلاقة بين الدولة الوثيقة، وبين التاريخ والمستقبل.
وخلال هذا الحوار الشامل، لـ الشرق، يتناول الدكتور أحمد عبدالله البوعينين، الأمين العام لدار الوثائق القطرية، ملف الوثيقة الوطنية من زواياه كافة، تشريعاً، وتنظيماً، وحفظاً، ورقمنة، وتوظيفاً معرفياً، كاشفاً عن رؤية مؤسسية تتجاوز المفهوم التقليدي للوثيقة، لتؤسس لصرح وطني حديث يحفظ الذاكرة، ويخدم صُنّاع القرار، ويصون الهوية، ويضع دولة قطر في قلب الجهد العربي والدولي لصون التراث الوثائقي.
وفي سياق الحوار ذاته، يتقاطع الماضي مع المستقبل، وتتجاور فيه الوثيقة الورقية مع الذكاء الاصطناعي، وتتكشف من خلاله ملامح مشروع وطني لا يكتفي بالحفظ، بل يراهن على الإتاحة والمعرفة والاستدامة.
ويقدم هذا الحوار تعريفاً واضحاً بدار الوثائق القطرية بقدر ما يضعها في سياقها الأوسع، إذ إن المقاربة التي يطرحها الأمين العام للدار، الدكتور أحمد البوعينين، تؤسس لتحول جوهري في النظرة إلى الوثيقة، من كونها مادة محفوظة، إلى كونها أصلًا معرفياً فاعلاً في دعم القرار، وصون الهوية، وبناء الذاكرة الوطنية.
وتكشف المقابلة عن وعي مبكر بتحديات العصر، لاسيما ما يتعلق بالرقمنة، والتزييف العميق، وتشتت الوثائق، مقابل رؤية تعتمد المركزية القانونية، والشراكة المجتمعية، والتكامل المؤسسي، مع استثمار واضح في الكوادر الوطنية الشابة.
ويتوقف الحوار عند رئاسة دولة قطر للجنة «ذاكرة العالم» في المنطقة العربية، والتي تضع دار الوثائق القطرية في موقع متقدم إقليمياً، لا بوصفها حارساً للذاكرة الوطنية فحسب، بل كفاعل ثقافي عربي معني بصون التراث الوثائقي في زمن الأزمات والنزاعات.

◄ ما مفهوم دار الوثائق القطرية، وما الذي تعنيه، في ظل حداثتها كمؤسسة؟
كما هو معروف، فإن دار الوثائق القطرية، تأسست وفقاً للقرار الأميري رقم 29 لسنة 2023، بهدف إنشاء صرح مؤسسي مركزي، يحفظ جميع وثائق الدولة، خاصة وأن مفهوم الوثائق تغير عما كان عليه في السابق، إذ لم يعد مجرد مخازن متهالكة للأرشيف، أو تقوم عليه كوادر غير مدربة.
لذلك، كان اهتمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، بالوثائق وتأسيس دار لها، والتركيز على أن تكون الدار مركزاً موحداً لجميع وثائق الدولة، والتي تتوزع على قرابة 80 جهة معنية، من وزارات وهيئات ومؤسسات حكومية، ما يجعلنا أمام عدد كبير من الوثائق والمستندات، منذ إنشاء هذه الجهات، الأمر الذي يتطلب ضرورة الحفاظ عليها.
من هنا، تعتبر دار الوثائق القطرية هي المنظم لكافة وثائق الدولة، وتقوم بدورها إثر ذلك، بتطبيق المعايير العالمية عليها، فضلاً عن إتباع آليات عمل احترافية، لحفظها، وبالتالي تصبح الدار، هي المنظم للوثائق، مدعومة في ذلك بقانون الوثائق والمحفوظات رقم 7 لسنة 2023، بتعريفها، وتحديد كل ما يتعلق بها.
وفي هذا السياق، تأسست دار الوثائق القطرية، بانضمام عدد من الكوادر القطرية، بأعمار تكاد تختلف عن أي كيان مؤسسي مماثل في العالم، حيث يصل متوسط أعمار كوادرنا إلى 35 عاما، يعملون بكفاءة عالية في مجال مهم، هو مجال الوثائق، الأمر الذي تفاجأ به كثيرون في دول العالم.

• جهود الكوادر القطرية
◄ برأيك، كيف تم إعداد الكوادر القطرية، للقيام بدورها في تسيير العمل بهذه المؤسسة العريقة، رغم حداثة نشأتها؟
لا شك أن الكثير من دول العالم، تنظر بشكل مختلف للوثائق عما كانت عليه من قبل، كما سبقت الإشارة، ولذلك، كان حرص دار الوثائق القطرية، على العمل على إعداد كوادر قطرية، على هذا الأساس، كونها تتعامل مع تخصص مهم، هو الوثائق، ما يجعلها من الأهمية بمكان، لتندرج ضمن المراحل التعليمية، سواء في المدارس، أو الجامعات الوطنية القطرية.
ولذلك، كان توجهنا على مستوى الطلاب في المرحلة الابتدائية، وتعريفهم بالوثائق وأهدافها، والقرارات الصادرة بهذا الشأن، بعدما أصبح هذا المجال جديداً في قطر، ما يجعله مصدر شغف للراغبين في العمل به، ومن خلال مؤسسة كبيرة تُعنى به، لاسيما وأن مجال الإبداع به مرتفع للغاية، كونه يرتبط بالهوية والتراث، ولا يقتصر ذلك على هذه الكوادر فقط، ولكنه يمتد ليشمل الباحثين أيضاً، والارتقاء بالخدمات المقدمة لهم، في ظل فرص توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، تصبح الوثائق القطرية، مصدر جذب واستقطاب للكثير من الكوادر القطرية، الذين أطلقنا لهم برنامج “أُسس”، متضمناً عدة مسارات، أردنا أن تغطي جميع جهات المجتمع، والأطياف التي تعمل معها دار الوثائق القطرية.
ويتضمن المسار الأول لهذا البرنامج، الابتعاث، وذلك بابتعاث طلابنا إلى خارج الدولة، لدراسة تخصص إدارة الوثائق، وفقاً للمدارس المختلفة، القائمة بها، بما يعود على الدار بنتائج إيجابية، بينما يتركز المسار الثاني على “أسس المجتمع”، ويشمل ندوات وورشاً ومحاضرات، ويتضمن جدولاً متكاملاً، شاملاً مجالات التاريخ والوثائق في قطر والخليج والمنطقة العربية والإسلامية.
أما المسار الثالث، فيتضمن “أسس الدار”، وتم إطلاقه في ديسمبر الماضي، ويستمر لمدة أربعة أشهر، ويختص بمجال إدارة الوثائق والمحفوظات، وتقوم فكرته على مشاركة 31 متدرباً من منتسبي الدار، نحرص على زرع مواصفات ومقومات الموظف الناجح لديهم.
والبرنامج، ينطلق في مجمله بالشراكة مع عدة جهات، وتمكنا خلال أول شهرين، من انطلاقه من إجراء 26 دورة تدريبية، وهى دورات إدارية، للموظفين وللمنتسبين للدار، دارت حول أخلاقيات العمل، والموارد البشرية، وتنظيم الفعاليات المختلفة، وتوفر الأدوات المستخدمة، وجميع هذه الدورات، يتولى المدربون القطريون المعتمدون، تدريب المتدربين بها.
أما المرحلة الفنية للبرنامج، فتتجاوز الجانب الإداري من البرنامج، واعتمدنا التعاون فيها مع جامعة السوربون الفرنسية، ومدتها ستة أسابيع، وتستهدف هذه الدورة صقل الموظفين، وسيتم منحهم شهادة عالمية، لاجتيازهم هذه الدورة، التي شهدت معدلات نجاح كبيرة للغاية، وشملت جميع مفاهيم الوثائق، من حيث تعريفها وأساليب حفظها، وكذلك الوثائق الوسيطة، والجهات المعنية بها، واستخدام التقنيات الحديثة، بجانب الورش الفنية، التي تركز على التعقيم والترميم، وغيرها مما يضمه مجال الوثائق، لذلك كان ضرورياً تعريف المنتسبين بمثل هذه المجالات، قبل انخراطهم في بيئة العمل.
◄ وهل هناك إقبال من الكوادر القطرية من الجنسين على الالتحاق بهذا البرنامج؟
لدينا، ما يقارب من 80 موظفاً من الكوادر القطرية، حرصوا على التقدم للمشاركة في هذا البرنامج، إلى أن تم الاستقرار على 31 متدرباً في هذا العام، رغم ما كانت تنتاب المرحلة الأولى من تحديات، في ظل حداثة بيئة العمل، والمجال الجديد ذاته، علاوة على أن الصورة النمطية لهذا المجال، لم تكن محفزة.
غير أننا في دار الوثائق القطرية، تمكنا من تحفيز رغبة المشاركين، حتى وجدنا كوادر من الجنسين، لديهم إقدام لافت على المشاركة في هذا البرنامج، بل وأبدعوا في كثير من المبادرات، لدرجة أن شرارة فكرة المشاركة في درب الساعي منذ البداية في العام الماضي، كانت نابعة من منتسبي برنامج “أُسس”، الأمر الذي يعكس نجاح البرنامج في تحفيز الشباب، ويؤكد أن الشباب القطري لديه القدرة على إدارة أي مجال جديد، وهو أهل لها، مهما كانت التحديات، وهو ما نلمسه في لقاءاتنا معهم.

• التوازن بين الماضي والمستقبل
◄ في ظل هذه التحديات التي أشرت إليها، ومع تعدد وتنوع اهتمامات واختصاصات دار الوثائق القطرية، أين يكمن تحقيق التوازن بين ما هو أرشيف، وتأريخ ووثائقي، وبين ما يؤسس لبناء مستقبلي؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب التذكير بما سبقت الإشارة إليه، بأن دار الوثائق القطرية، تأسست بموجب القرار الأميري رقم 29 لسنة 2023، بهدف إثراء النشاط الفكري ورصد تاريخ الدولة، وتنظيم جمع وحفظ الوثائق والمحفوظات والإشراف عليها.
هذا الوضع، يؤكد أن الدار تأسست لتكون مركزاً وطنياً متقدماً يحفظ الذاكرة التاريخية للدولة، ويساهم في التأصيل الوثائقي للهوية الثقافية الوطنية، ويعزز أصالة تراثها وثقافتها محلياً وإقليمياً وعالمياً.
ويأتي رصد تاريخ الدولة، وتنظيم جمع وحفـظ الوثائق والمحفوظات والإشراف عليها، تنفيذاً لأحكام القانون رقم 7 لسنة 2023 بشأن الوثائق والمحفوظات، علاوة على تمكين الوصول للمعلومات والسجلات والوثائق وتسهيل استخدامها وذلك عن طريق وضع معايير وسياسات تنظم عملية إدارة الوثائق العامة والخاصة والتاريخية والوطنية في الدولة.
وتختص الدار، بتحديد كل ما له قيمة تاريخية من الوثائق الموجودة في حيازة الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى أو الأشخاص، وغـيرها من تلك الموجودة في الخارج، بالإضافة إلى تحديد آليات حصول الدار، على هذه الوثائق والمحفوظات ونقلها إليها، أو الحصول عـلى نسخ أو صور منها.
ومن اختصاصات الدار أيضاً، إبراز القيم الثقافية والعلمية للوثائق، وإجراء البحوث والدراسات التاريخية، والتوعية بأهمية التراث الوثائقي، وفتح المجال للباحثين والمهتمين للاستفادة من المادة المعلوماتية الموجودة في حيازتها والاطلاع عليها.
وأخلص إلى أن دار الوثائق القطرية، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول يرتبط بالتوثيق المؤسسي، والثاني يختص بالتوثيق الدولي، بينما الثالث يتمثل في التوثيق المجتمعي، ويتناول القسم الأول، مؤسسات الدولة التي تأسست بعد منتصف القرن الماضي، ما يجعل الدار، هي الجهة المنظمة لوثائق الدولة، وبمثابة إدارة للوثائق العامة بالدولة، ما يحتم علينا ضرورة تبني أساليب وأسس عملية عالمية، في التعامل مع الوثائق.
لذلك، فإن أمر الوثائق يقع على عاتق الطرفين، دار الوثائق القطرية، والجهة المعنية بالوثائق ذاتها، ولذلك تم إعداد أدلة توضح آلية إدارة الوثائق القطرية، وذلك بشكل مبسط وسلس، كوننا لسنا جهة أكاديمية.
وأمام هذا التعاون، لمسنا تجاوبا لافتا من الجهات المعنية ممن لديها وثائق، حيث حرص أصحاب السعادة الوزراء ووكلاؤهم، على فتح الباب لنا، لتنظيم اجتماعات مع جميع الجهات المعنية في الدولة، لشرح عمل الدار، ولمسنا ترحيباً واسعاً، بل ولاحظنا تشكيل وحدات إدارية خاصة بهذه الجهات، وتحديد اختصاصاتها فيما يتعلق بالوثائق، من فريق عمل، يتواصل بدوره، مع إدارة التدريب والتوجيه المؤسسي في الدار، ما يعكس التعاون اللافت مع جهود دار الوثائق القطرية في هذا الشأن.
وهنا، أود الإشارة إلى أن التصنيف الجيد للملفات، يعد من الأمور المهمة لنقل المعرفة، بل والتعاون فيما يتعلق بها إلى دول أخرى، كما هو الحال، في نقل خبرات ونجاح دولة قطر في تنظيم كأس العالم 2022، وإمكانية التعاون في ذلك مع الدول، التي سوف تستضيف النسخ التالية لهذه البطولة العالمية.
• مركز للوثائق
◄ هل هذا كله، يعني أن دار الوثائق القطرية أصبحت هي الجامع للوثائق التاريخية الموجودة في جميع مؤسسات الدولة؟
صحيح، فاليوم دار الوثائق القطرية، أصبحت هي المركز المؤسس، أو المستودع الرئيسي، لهذه الوثائق، وخزينة لكل ما تحمله هذه الوثائق من قيمة ومعلومات، بما يدعم صُنّاع القرار، وكذلك جميع الجهات للاستفادة منها.
غير أنه، مع هذا الدور لدار الوثائق القطرية، ووفقاً للقانون رقم 7 لسنة 2023، فإنه يحق لكل جهة من جهات بالدولة، الرجوع إلى وثائقها، وقتما شاءت، وكيفما شاءت، بما يفيدها في عملها، ما يعني أن دورنا يكمن في الحفاظ على هذه الوثائق، للجهات المختلفة، والعمل على رقمنتها، لتكون ذات الجهات مستفيدة منها، فضلاً عن إتاحتها للجمهور والباحثين والأكاديميين، وجميع من يعمل على البحث عن دولة قطر، ومؤسساتها.
ولذلك تعمل دار الوثائق القطرية على محرك بحث، يسهل عمليات البحث عن هذه الوثائق، في ظل وجود تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يحتم علينا مواكبة التكنولوجيا الحديثة، انطلاقاً من فكرة أن الوثائق ليست خزاناً، بل تحمل قيمة معلوماتية، يمكن الاستفادة منها.
وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى أننا قطعنا شوطاً كبيراً تجاه مشروع لتوثيق مسيرة الصحف في دولة قطر، بدأناه منذ شهر أغسطس 2024، وسيتم الانتهاء منه قريباً، وسيتم القياس على هذا النموذج التجريبي الناجح، في التعامل مع وثائق مؤسسات الدولة المختلفة، ما يعكس مدى التعاون اللافت بين دار الوثائق القطرية، وصحفنا المحلية.

• الوثائق الخاصة
◄ بمناسبة الحديث عما لدى المؤسسات والجهات من وثائق، فإن هذا يقودنا إلى الحديث عن الأفراد الذين يقتنون العديد من الوثائق، فهل هناك قنوات تواصل معهم، للغرض نفسه؟
التوثيق المجتمعي يعد عنصراً أساسياً في بناء هذا الصرح، وعند العودة إلى المؤسسات المختلفة في الدولة، من وزارات وهيئات وجهات، عندما تأسست في عقدي الستينات والسبعينات في القرن الماضي، فإن هناك أشخاصا كانوا يعملون في هذه الجهات، ولديهم ما يتعلق بهذه الحقبة، وما كانت تشهده الحياة وقتها، من مراحل تطور وانجازات.
وانطلاقاً من القانون رقم 7 لسنة 2023، فإن دار الوثائق القطرية، هي الجهة المسؤولة عن جميع الوثائق الموجودة بالدولة، بما فيها الوثائق الخاصة، حيث أفرد القانون فصلاً لهذه الوثائق، وبنى عليها اهتماما كبيراً، من حيث التسجيل، والتأكيد على أنها ملك للمجتمع.
ومن هنا، عقدنا اجتماعاً مع شخصيات مجتمعية، في عدة مناسبات، ممن لديهم مقتنيات ومكتبات خاصة، ولمسنا تعاوناً كبيراً من جانبهم، وأوضحنا لهم أن دار الوثائق القطرية، أداة مساعدة لهم في حفظ ما لديهم من وثائق.
كما أكدنا لهم أن هذه الوثائق ملك لهم، وأن الدار ستعمل على إعداد سجلات بأسمائهم، وتحفظ ملكيتها لهم، ليكون القرار بشأنها، حصراً لهم، سواء أرادوا المشاركة بها في معارض، أو إعارتها، أو بإهدائها، إلى غير ذلك، حيث تشعب القانون في هذا الإطار، بما يحفظ ملكيتهم التامة لوثائقهم.
كما أود في ختام هذا السياق، التأكيد على أن الدار تعمل حالياً على القرارات التنفيذية، الصادرة عن مجلس الوزراء الموقر، في يوليو 2025، فيما يتعلق بطريقة تسجيل الوثائق والاطلاع عليها.
• “رحلة معرفة”
◄ وهل هناك إقبال من المواطنين من ملاك الوثائق على تزويد الدار، بما لديهم من مقتنيات؟
حقيقة، تفاجأنا من حجم تعاون المواطنين مع الدار، في هذا الإطار، فمعرضنا “رحلة معرفة”، بُنى بالكامل على الوثائق الخاصة، سواء من الأشخاص، أو الشركات، حيث تلقت الدار منهم العديد من الوثائق، ما يجعلهم جميعاً جزءاً أصيلاً من مشروع دار الوثائق القطرية.
وحالياً، تعمل الدار على حملة مجتمعية، تبين دورها في خدمة المجتمع، انطلاقاً من أن وجودنا بالأساس هو لخدمة الدولة والمجتمع، ولذلك نلاحظ دائماً حضوراً لافتاً في فعالياتنا، على نحو ذلك الحضور الكبير والمميز، لاحتفال الدار باليوم العالمي للأرشيف، واحتفالية إطلاق خُطة الدار الإستراتيجية 2025- 2030، وكذلك احتفالها بيوم الوثيقة العربية، ما يعكس أن المجتمع متعطش للمشاركة في مشاريع الدار.
وحالياً، تعمل الدار على إعداد دليل خاص بأصحاب الوثائق والمكتبات الخاصة، في إطار حفظ وثائقهم، ورصد كافة التحديات التي قد تواجههم، حال إخراجها إلى خارج الدولة، وذلك بهدف تسهيل هذه العملية، بتقديم شهادة معتمدة لهم، كسند ملكيتهم لوثائقهم.
• وثائقنا في الخارج
◄ هناك بعض الأطراف والدول الخارجية، لديها مستندات ووثائق عن دولة قطر، فهل هناك تعاون بين دار الوثائق القطرية مع الجهات المعنية في هذه الدول، للحصول الوثائق والمستندات الخاصة عن دولة قطر؟
بالتأكيد، فالدار عملت خلال عامي 2024- 2025 على إعداد مذكرات تفاهم، للحصول على النسخ الخاصة بدولة قطر، سواء الموجودة في الخليج أو الدول العربية، أو الإسلامية، وهذه المذكرات، ليست إطارية، بل للتنفيذ، بهدف الحفاظ على تاريخنا، وهو هدف أسمى لنا، بأن يكون تاريخنا الموجود في الخارج، محفوظا بين أيدينا، وفي داخل الدولة.
وفي ذلك، نعمل عبر عدة اتجاهات، حيث سيكون هناك اجتماع خلال شهر يناير الجاري، مع المسؤولين المعنيين بالوثائق في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، علاوة على رئاسة دولة قطر للجنة “ذاكرة العالم” للمنطقة العربية، والتي ساهمت دار الوثائق القطرية في إنشائها خلال يناير الماضي.
• حصر الوثائق
◄ وهل هناك حصر بعدد الوثائق الموجودة في الخارج؟
مازلنا في مرحلة حصر لهذه الوثائق، من خلال التعاون مع العديد من الجهات، كتلك الموجودة في تركيا، وما لديها من وثائق عثمانية، تتناول دولة قطر، ويتوقع أن تتجاوز هذه الوثائق 20 ألف وثيقة، مع مراعاة ترجمتها إلى اللغة العربية، بجانب وثائق أخرى مشتركة مع دول الخليج، ذُكر فيها اسم دولة قطر.
وأؤكد في هذا السياق، أن هناك تعاوناً كبيراً مع دول الخليج في هذا الشأن، على أمل أن تكون هناك منصة خاصة بالوثائق، للبحث فيها، شاملة كافة الاحصائيات.

• إتاحة المعرفة
◄ وهل سيتاح هذا الكنز داخل وخارج قطر؟
بالتأكيد، ولذلك فإن الموقع الالكتروني للدار، والذي سيتم إطلاقه في 16 يناير الجاري، سيشمل العديد من الخدمات، لصُنّاع القرار، وللجهات الأكاديمية والمعنية، كما يوفر للأفراد، كافة الخدمات، علاوة على ربط هذا الموقع بمنصة لمحركات البحث، في مشروع تعمل عليه الدار حالياً، بالتعاون مع عدد من الشركات، بما يتيح لكل شخص البحث عما يريده من وثائق، وفقاً للتشريعات والقوانين في الدولة.
• التزييف العميق للوثائق
◄ في ظل التقنيات القائمة، والتي تسهم في إحداث حالات التزييف العميق للوثائق، كيف يمكن التحقق من صحة الوثائق، أمام هذا الكم الهائل من التقنيات القادرة على “الفبركة”؟
هذا الموضوع يحظى باهتمام عالمي، فهناك على سبيل المثال، اهتمام كبير من جانب المجلس الدولي للأرشيف، ومن جانبنا، أقامت دار الوثائق القطرية ورشاً فنية متخصصة، على أن تكون هناك ورشة أخرى متقدمة خلال العام الحالي، بالتعاون مع الجهات المعنية، بمشاركة خبراء الدار، لتناول الوثائق بالتحليل، وكيفية التحقق منها، عبر عدة عناصر، منها الحبر، وعمر الوثيقة، ولونها، والمحتوى، الذي تضمه، إلى غير ذلك.
◄ وهل تم اكتشاف أي وثائق غير حقيقية من قبل؟
كما هو معروف، فالدار مازالت في مرحلة التأسيس، وحصر الوثائق، ومعرفة أعدادها، وكلنا أمل في أن يتم الانتهاء من توفير المعامل المختصة، خلال العام المقبل، وذلك بعد زيارة عدة دول، بجانب زيارة المجلس الدولي للأرشيف، بهدف الاطلاع على الممارسات العالمية في هذا الشأن، وإن كنا قد بدأنا بقوة في هذا الإطار، واكتسبنا خبرة كبيرة بالنسبة للمعامل والتحقق من أي وثيقة، والتأكد من أصالتها.
• العلاقة مع المؤسسات
◄ ما تقديركم، للعلاقة التي تربط بين دار الوثائق القطرية، والجهات الأخرى في الدولة، ولاسيما التي تضطلع بدور بارز في المعرفة التاريخية والتراثية؟
هناك تعاون دائم للدار مع الجهات المعنية بالدولة، وكل جهة بالطبع تقوم بدورها على أكمل وجه لخدمة الوطن، ومن جانبنا، حدد القانون رقم 7 لسنة 2023، الإطار الذي تعمل عليه دار الوثائق القطرية، وأصبحت الأمور مركزية في التعامل مع الوثائق، بعيداً عن التشتيت، ولذلك نعمل في الدار على الوثائق والتاريخ الشفاهي، والأخير يعد من أكبر مشاريعنا التي نعمل عليها، ضمن مشروع وطني ضخم، يوثق التاريخ الشفاهي للدولة، ودائماً تثبت دولة قطر قدرتها وجدارتها، وأنها قادرة على استثمار الفرص، وتوظيفها إبداعياً.
ومن هنا، تعمل الدار على توثيق التاريخ الشفاهي بالدولة، بتدوينه ضمن مشروع كامل، يغطي كافة المجالات، والوزارات والجهات المختلفة بالدولة، منذ نشأة الوزارات، ومؤسسات الدولة، إلى يومنا، مع إبراز دور الرواد، ما سيضفي جوانب مضيئة، على هذا المشروع الكبير، لإبراز دورهم وإسهاماتهم في مختلف المجالات.
◄ وهل وجدتم تحديات في هذا الإطار؟
هناك كثير من الأشخاص، يبدون تحفظهم على التصوير، غير أن الدار تعمل بكافة الطرق، ومن باب الوطنية، على تذليل أي صعوبات، بهدف انجاز المشروع، وإضافة لبنة من لبنات إنجاح هذا الصرح العريق، والمتمثل في دار الوثائق القطرية.
والمشروع، لا يقتصر على التسجيل والتصوير فقط، بل سيشمل تفريغ المقابلات ذاتها، ما يجعلها مادة مهمة للصحف، وللباحثين والأكاديميين، في ظل الرغبة في إتاحة هذا المشروع لأفراد المجتمع، والوصول إليه عبر كلمات مفتاحية.
• نوعية التوثيق
◄ لدينا إشكالية في التوثيق، فقليل من التوثيق مكتوب، فهل هذا يعني التحول مما هو معروف شفاهياً إلى ما هو موثق فعلياً، أو مكتوباً، من خلال دار الوثائق القطرية؟
مشروع التاريخ الشفاهي، سيكون مشروعاً متكاملاً، فإدارة البحوث والإصدارات بالدار، ستكون معنية بتقديم إصدارات عن هذا المشروع، خاصة وأن التاريخ الشفاهي، يعد مادة خام لإنتاج الكثير من المؤلفات، إذ يفتح المجال لمشاريع أخرى، خاصة وأن ما يميزنا في دار الوثائق القطرية أن الإدارات تتكامل جهودها مع بعضها البعض، سعياً لتوفير مادة للباحثين، سواء كانت في شكل كتب أو مادة تسجيلية، أو مادة إلكترونية، ويتوقع أن يكون أول إصدارات الدار في 16 يناير الجاري.
◄ حينما نتحدث عن التكنولوجيا المتسارعة، كيف يمكن توظيفها في عمليات حفظ الوثائق، بدلاً من العمل التقليدي؟ فضلاً عن الآليات الواجب إتباعها تفادياً لأي اختراق أو هجمات خارجية؟
كما ذكرت، فنحن في مرحلة التأسيس، ورغم ذلك، نجحنا في انجاز بنية تحتية متكاملة، وذلك بالتعاون مع عدة جهات في الدولة، مثل الوكالة الوطنية للأمن السيبراني، لضمان أن تكون جهودنا وفق الأساليب المتبعة في الدولة، وبأعلى المعايير العالمية، حرصاً على تحقيق أعلى معدلات شهادات الجودة “الأيزو”، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، في إتاحة الوثائق، وتسهيل وصول الباحثين إليها، عبر محركات البحث الخاصة بالدار، ضمن مشروعنا الذي سبق أن تحدثت عنه.
وفي إطار اهتمامنا بالتكنولوجيا، سبق أن وقعت الدار، إطار تعاون استراتيجي مع مايكروسوفت قطر، لتطوير بنية تحتية رقمية متكاملة لحفظ الوثائق الوطنية، وتمكين الوصول إليها، وتوظيفها كأصل معرفي يدعم صناع القرار، ويرتبط بمحاور الاستدامة والحوكمة في رؤية قطر الوطنية 2030، انطلاقاً من الرؤية المؤسسية للدار، بأن تنظيم الوثائق الوطنية وإتاحتها ليس مجرد عملية حفظ، بل ركيزة استراتيجية لتعزيز المعرفة المؤسسية، ودعم صُنّاع القرار، وصون الهوية الوطنية.
ومن خلال استراتيجيتنا للفترة 2025–2030، نعمل على تطوير منظومة متكاملة لإدارة الوثائق، ترتكز على التحول الرقمي، والابتكار، والاستدامة، بما يتماشى مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، وحريصون في الدار، على أن تكون محركات البحث، من مصادر الدار، بعيداً عن المحركات الأخرى التي لا تعتمد على مرجعية.
وفي هذا السياق، جرى العُرف العالمي في مجال الوثائق، على ضرورة حفظ نسخ احتياطية منها رقمياً، ولذلك نعمل مع عدة شركات في هذا الإطار، ونحن في مراحل تجريبية للعديد من المشاريع، منها مشروع لترجمة الوثائق العثمانية بشكل دقيق، إلى اللغة العربية، وذلك نظراً للحضور القطري اللافت لدولة قطر في هذا الأرشيف، كما أشرت.
• التاريخ الشفاهي
◄ كم عدد الشخصيات التي سيغطيها مشروع التاريخ الشفاهي؟
في الوقت الحالي، تم التصوير والتسجيل، مع عدد من الشخصيات، في مختلف التخصصات، سواء في داخل قطر، أو في خارجها، ممن يعلمون في السلك الدبلوماسي، بالإضافة إلى التصوير مع أعضاء مجلس الشورى السابقين، وغيرهم من كبار الشخصيات، لتعريف المجتمع ببصماتهم وإنجازاتهم.
• أقدم الوثائق
◄ ما أقدم وثيقة في الدار تقريباً، وكم عمرها؟
هناك العديد من الوثائق، تعود إلى القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر، كما هناك خرائط عن قطر، وكذلك وثائق برتغالية، وأخرى من الأرشيف العثماني، وهو من الأرشيفات الكبيرة والمهمة، غير أننا لا نستطيع الحديث عن أقدم وثيقة، كوننا أمام العديد من الوثائق القديمة، والمهمة.
• توظيف التكنولوجيا
◄ هل هذا يعني أن الدار تعمل على استفادة التكنولوجيا، لتعزيز عملها، من خلال التحقق، أو تقديم هذه الأعمال للجمهور؟
صحيح، وهذا واضح بالفعل في مجال الترجمة، والتحقق من الوثائق، وإعداد أبحاث عنها، وإعداد دراسات تاريخية لها، أو للبحث عن مقابلات معينة، فجميع الأدوات التكنولوجية تتيحها الدار، للتيسير على الباحثين ومرتكزات البحث العلمي.
• المجتمع والدار
◄ ربما التركيز على الباحثين، يدفع الأفراد للحديث عن كيفية استفادتهم من دار الوثائق القطرية، فكيف يمكنهم الاستفادة من الدار، بكل ما تحظى به كنوز معرفية؟
هذا سؤال مهم للغاية، وجدير بالطرح، فأفراد المجتمع في قلب اهتمامات دار الوثائق القطرية، والتي تعمل على دعم المجتمع، وفي المقابل، نجد كل دعم من المجتمع لجهود الدار، إذ إن زيارات العديد من الشخصيات للدار، وتقديم ما في حوزتهم من وثائق لها، وسفرهم إلى خارج الدولة، للحصول على هذه الوثائق، يؤكد مدى الوعي المجتمعي بأهمية الوثيقة، والدور الذي تقوم به الدار لحفظها.
وهنا، أشير إلى أن وجود الوثائق في حوزة الأفراد، قد يؤدي إلى هلاكها مع مرور الزمن، وتعريضها للعديد من العوامل البيئية، ولذلك، فإن دور الدار العمل على حماية هذه الوثائق، وحفظها، عبر الأساليب العلمية، وكذلك العمل على رقمنتها، من خلال نسخ إلكترونية، مع إعادة الأصل لأصحابها، فضلاً عن تسجيلها بأسمائهم، وهذه هي الخدمة المجتمعية، التي تقدمها الدار للمجتمع، وأحد أشكال الدعم لملاك الوثائق، وكرد جميل لهم، لحرصهم على الحفاظ على تاريخ البلاد.
• حضور دولي
◄ في ظل هذا التفاعل المحلي مع دار الوثائق القطرية، أين حضورها دولياً؟
هنا، أشير إلى أن الدار، منذ انطلاقتها، سعت إلى إقامة بنيتها التحتية، بل والانطلاق إلى مرحلة العمل الفعلي، فأقمنا يوم الأرشيف الدولي، وكذلك احتفلنا بيوم الوثيقة العربية، وشاركنا في فعاليات درب الساعي، وكذلك شاركنا في معرض الدوحة الدولي للكتاب، كما شاركنا في «إكسبو» اليابان، وساهم الطلاب القطريون في اليابان في إنجاح هذه المشاركة، لذلك كانت لنا مشاركات محلية ودولية عديدة، لتعزيز الوعي بالتراث الوثائقي، وإبراز الهوية الوطنية.
كما أنجزنا مع «اليونسكو» المؤتمر الإقليمي «الذاكرة في التراث: تعزيز التعاون بشأن التراث الوثائقي في المنطقة العربية» بمشاركة أربع لجان إقليمية، وتمخض عنه تدشين لجنة إقليمية لـ «ذاكرة العالم» في المنطقة العربية، بالتعاون مع الدول العربية، وحظيت دولة قطر برئاسة هذه اللجنة، وانتخب نوابها من الأردن وفلسطين ومصر.
كل هذا يعني، أن دار الوثائق القطرية، لم تقف عند الجانب المحلي فقط، بل تجاوزته إلى الآخر الدولي، وبفاعلية، وستشهد الدوحة خلال شهر يناير الجاري، اجتماعاً لمسؤولي مراكز الوثائق والمحفوظات في دول الخليج، وفي شهر فبراير المقبل، سوف تستضيف قطر اجتماعاً لذاكرة العالم العربي، ما يعني أن جدول الدار حافل، وسط مساهمة ودعم من كافة الجهات بالدولة، وفي إطار تكاملي.
• رئاسة قطرية
◄ وماذا يعني رئاسة قطر للجنة «ذاكرة العالم» في المنطقة العربية، رغم حداثة النشأة لدار الوثائق القطرية؟
الرد، يكمن في الثقة التي تتمتع بها دولة قطر، من جانب الأشقاء العرب، والذين لمسوا حرص الدوحة على إنجاح هذه المبادرة، وهذا ما لمسه أيضاً ممثلو المنظمات المشاركة في المؤتمر الإقليمي، فالكل اعتبر أن مبادرة قطر تحمل خططاً واضحة للانطلاق، وأن هذه اللجنة لها أهمية كبيرة، في العالم العربي، والذي هو غني بالوثائق والتاريخ، ورغم ذلك فإن المسجل منها، في القائمة الأممية، لا يزيد على 4 % فقط، ولذلك، يمكن للجنة أن تسهم في تسجيل المزيد من هذا الإرث العربي الغني، ضمن القائمة العالمية.
وفي هذا السياق، كلنا فخر بما أنجزته وزارة الثقافة بقيادة سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني، وزير الثقافة، بتسجيل «البشت»، على قائمة «اليونسكو»، ما يعكس جهود دولة قطر، وتعاونها في ذلك مع الأشقاء العرب.
لذلك، فإنه من خلال رئاسة قطر للجنة «ذاكرة العالم» في المنطقة العربية، سيتم السعي إلى تشكيل لجان وطنية، وإعداد خُطة استراتيجية، وسيتم إطلاق ذلك خلال الاجتماع القادم للجنة في الدوحة، بما يقودنا إلى الهدف المنشود.
• جهود قطرية
◄ وبرأيك، ما الفائدة التي يمكن أن تحققها دار الوثائق القطرية من خلال رئاستها لهذه اللجنة، في ظل ما تتعرض له الدول العربية من كوارث ونزاعات؟
دائماً قطر بقيادة سمو الأمير المفدى، حفظه الله، تدعم الملفات الكبيرة بشكل أساسي، ومن هذا المنطلق، فجميع الجهات تساهم في ملفات الدول العربية المتضررة، مثل الأرشيف في فلسطين، والعمل على تسجيله في «ذاكرة العالم»، للحفاظ عليه، والسعي إلى صيانة ما تضرر منه، وكذلك الدول العربية الأخرى، التي تعاني من أزمات ونزاعات.
لذلك، فإن دور اللجنة يركز على المساندة والمساهمة في إيصال صوت الدول العربية المنكوبة، أو التي تشهد نزاعات، لتستطيع المساهمة في توثيق تراثها، ولذلك فإن المصلحة العربية من رئاسة قطر للجنة، تفوق المصلحة القطرية ذاتها.
◄ استمراراً لهذا الجهد القطري لدعم الأشقاء العرب، ما الذي يمكن أن تقدمه قطر، ممثلة بدار الوثائق القطرية، لوثائق الدول العربية، التي تعاني من النزاعات والكوارث، أو التي تعرضت لضياع جزء كبير من أرشيفها ووثائقها، سواء على الصعيد القُطري، أو على الصعيد الدولي؟
تم التواصل خلال الفترة الماضية، مع العديد من الدول المنكوبة، للتعرف على حجم ما أصاب وثائقها وممتلكاتها التاريخية من أضرار، ومنها على سبيل المثال، السودان الذي تعرض جزء كبير من إرثها الوثائقي والتراثي إلى أضرار جسيمة، ولذلك فنحن في دار الوثائق القطرية، نعمل وفق معايير دولية، وُجدت بالأساس لمواجهة مثل هذه الأزمات.
ومن هنا، يأتي دور دار الوثائق القطرية، ومن خلال رئاستها للجنة «ذاكرة العالم» في المنطقة العربية، وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية، نعمل على إيصال هذا الصوت العربي، لضمان الحفاظ على هذه الأماكن التاريخية، وما تضمه من وثائق تراثية وثقافية. كما لا يقتصر جهدنا على إيصال الصوت فقط، بل دعم هذه الدول، بالعمل على إعادة إحياء ما تضرر من وثائقها التاريخية.
• صون التراث العربي
◄ وهل هناك ثمة دعم من جانب دار الوثائق القطرية لهذه الدول، بما يحفظ ما تبقى لديها من كنوز داخل الدار؟
لاشك أن لكل دولة تشريعاتها الخاصة بكنوزها وتراثها وآلياتها للتعامل مع ممتلكاتها الثقافية، ولذلك فإنه على أقل تقدير، نحاول إعداد نسخ رقمية حال حدوث أي ضرر لهذه الممتلكات، للحفاظ عليها، إذ إنه من السهولة بمكان الحفاظ على النسخ الالكترونية، لأن الأخرى الورقية قد تتطلب وقتاً طويلاً في إخراجها من أماكن تواجدها في الدول الموجودة بها.
• ابتعاث الكوادر القطرية
◄ مع إشارتكم إلى المعامل الدقيقة والمتخصصة في هذا الجانب، هل لدينا كوادر قطرية، متخصصة في هذا المجال؟
لا شك أن مجال الرقمنة والتعقيم والترميم، كلها من المجالات الحيوية والدقيقة، والجديدة في الوقت نفسه، ورغم حداثة دار الوثائق القطرية، فإن برنامج «أسس» يدعم هذا الجانب، كونه يضم مسارات مختلفة، يمكنها التعامل مع كل هذه التخصصات الدقيقة في مجال الوثائق،، مثل الترميم والتعقيم.
ولدينا ضمن الخطة الاستراتيجية، هدف يتعلق بإعداد كوادر قطرية، ونقل المعرفة الوثائقية إليهم، ومن خلال الورش التي تنظمها دار الوثائق القطرية، سيكون لدينا كوادر قطرية متخصصة في كل هذه المجالات، وفقاً للخطة الاستراتيجة، التي تتواصل حتى عام 2030.
وعلينا أن ندرك، أن مجال الوثائق من التخصصات الدقيقة، التي يجب أن تأخذ حقها من الوقت، ليكون لها فرصتها المناسبة، لإضافة هذه التخصصات، وصولاً إلى الهدف المنشود، وحالياً يتم ابتعاث الكوادر القطرية إلى العديد من الدول المتقدمة في مجال الوثائق، لتأهيلهم في هذا المجال، وللحصول على الخبرة الكافية، وإفادة الدار منها.
• تضمين الوثائق بالمناهج
◄ في هذا السياق، هل الدار بحاجة إلى دعم من قبل الجامعات الوطنية في قطر، لدعم هذا التوجه؟
هناك تعاون مع الجامعات الوطنية في قطر، بهذا الشأن، كما أن هذه الجامعات بدأت تنخرط في شراكات مع جامعات دولية، متخصصة في مجال الوثائق، تمهيداً لاعتماد تخصص الوثائق في الجامعات في قطر، بحيث لا يقتصر الأمر على كوادر دار الوثائق القطرية فقط، لوجود نحو 80 جهة بالدولة، لديها وحدات ترتبط بالوثائق، ولذلك نحرص على دمج الوثائق في المناهج التعليمية، لتشمل جميع جامعاتنا، لاسيما الجامعات الوطنية.
• تعاون المواطنين
◄ هل الدار تستقبل مواطنين، يفدون إليها لتقديم معلومات أو وثائق، يمكن أن تصب في تحقيق أهدافها؟
بالفعل، نستقبل كثيرين، ففي درب الساعي، وفد إلينا كثيرون لتقديم وثائق، فالمواطنون لديهم رغبة كبيرة في تزويد الدار بما لديهم من وثائق، بعدما أصبحت هناك مركزية للوثائق، ممثلة في دار الوثائق القطرية، مع اتضاح آلية عمل الدار للمجتمع القطري، ولدىَّ ثقة كبيرة في المجتمع القطري بحرصه الكبير على إنجاح الدار، بشكل يفوق تصوراتنا.
◄ هل تتجه دار الوثائق القطرية إلى تنظيم معارض جديدة لها؟
لدينا معرض «رحلة المعرفة»، ويتواصل في الدار منذ يناير 2023، حتى اليوم، للتعريف بالوثائق، وحرصنا على تسميته بهذا الاسم، ليأخذ المعرض الزائر في رحلة معرفية حقاً، نحو التعريف بالوثائق، وتاريخها، وكذلك التعريف بقانون الدار، وقصة المبنى، والخط المكتوب، والذي يحمله واجهة المبنى، فضلاً عن المكتبة الموجودة لدينا، والتي وُلدت لخدمة المجتمع، والباحثين، وطلبة الدكتوراه، وكثير من خارج الدولة، يأتون إلينا للبحث عن وثائق بعينها، ونعمل على إتاحة المطوب منها، وفق تشريعات وقوانين الدولة.
• كتابات المبنى
◄ وما تفسير الكتابات التي يضمها مبنى الدار؟
هذه كتابات عشوائية، نابعة من فكرة التصميم ذاتها، لاستقطاب من هم في خارج الدار لزيارتها، ولذلك تم التفكير في طرح كتابات على واجهة المبنى، لا تحمل معنى، ولكنها خطوط وكلمات متناثرة، لا يجمعها معنى محدد، أو مفهوم، غير أنه يتوسط كلمات: الله، سلام، قطر، وهى كلمات توحي بأنها تحمل قصصاً وراءها، ولذلك فمنذ تدشين صاحب السمو أمير البلاد المفدى، حفظه الله، للدار، والكثيرون يفدون إلينا، للاستفسار عما تحمله هذه الكتابات من غموض، وما تضمه من رسائل.
• صوت موثوق
◄ وما الرسالة التي توجهها للمواطنين والمجتمع القطري، من خلال ؟
أهم رسالة أوجهها للجميع، هى أن الدار تعمل من أجلهم، فهذا الصرح ملك للمواطنين وللمجتمع، ولذلك نحث الجميع على دعم الدار بما لديهم من وثائق، وهى على أتم استعداد لتقديم كافة أشكال الدعم للأفراد، فمشروع الدار، يقوم على الحفاظ على تاريخ الدولة، وهويتها، ولذلك فالدار ترحب بجميع المواطنين والمقيمين، بالتفاعل مع مبادراتهم، إذ لن ينجح المشروع إلا بتكاتف الجميع.
وأعتبر الشرق صوت الدار، وهى صوت موثوق لدينا، ولدى المجتمع، وكلنا ثقة، بأن هذه الدعوة ستجد تفاعلاً لها في أوساط المجتمع القطري، من خلال صحيفة .
•هواجس ملاك الوثائق
◄ قد يسود هاجس لدى الأفراد، بعدم ملكيتهم لوثائقهم الخاصة، حال تسليمها للدار؟
هذا الهاجس، ليس في محله مطلقاً، إذ أؤكد أن جميع الوثائق الخاصة يتم تسجيلها في دار الوثائق القطرية، بأسماء أصحابها، وتؤول ملكيتها إليهم، وليس للدار، بما يحفظ حقهم، وهذا وفقاً للقانون، والذي يؤكد أن هذه الوثائق ملك لأصحابها، ودورنا يقتصر على تسجيلها، وتعقيمها، ورقمنتها، وإعادة الأصول لأصحابها، إلا إذا أرادوا إهداءها للدار، فضلاً عن تنظيم معارض لها، إن أرادوا ذلك، وذلك بما يعزز الشراكة بين الدار والمجتمع، وهدفنا في النهاية، هو الحفاظ على تاريخنا.




