حوارات

الشيخة علياء آل ثاني: خطاب الأمير في الأمم المتحدة يحدد سياسات قطر

الخطاب يرسم أولويات قطر ومواقفها من القضايا الإقليمية والدولية.. وسجل قانوني موثق أمام المنظمة يفند ادعاءات إيران

أكدت سعادة الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، أن خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمام الدورة ال81 للجمعية العامة للأمم المتحدة والمقرر الثلاثاء 22 سبتمبر الجاري ، يبرز الدور المسؤول لدولة قطر في معالجة الأزمات، ويرسم أولوياتها ومواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية. وفي حوار شامل مع «الشرق»، قالت سعادتها إن الوفد القطري لدى الأمم المتحدة يواصل مهامه لحشد موقف دولي واضح إزاء الاعتداءات الإيرانية، مستنداً إلى سجل قانوني موثق أمام المنظمة الدولية يفنّد الادعاءات الإيرانية، ويبرز عدالة موقف دولة قطر بشأن النزاع وأمن الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة الحرص على التنسيق الكامل مع المجموعة الخليجية، والعمل ضمن الأطر العربية والإسلامية. وأضافت أن قطر تركز على ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة الدولية وعدم تحويلها إلى ورقة للضغط أو المساومة، مشيرة إلى أن الوفد القطري يعمل على تجسيد الرؤية الحكيمة لصاحب السمو، وتنفيذ توجيهات معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وأكدت اعتزازها بقيادة عمليات تفاوضية بالغة الحساسية أُسندت إلى وفد قطر في الأمم المتحدة. وشددت سعادتها على أن الشراكة بين دولة قطر والأمم المتحدة تقوم على ثلاث ركائز أساسية تشمل الدعم والتواجد الميداني وإطلاق المبادرات، مشيرة إلى حرص قطر على تحويل التضامن السياسي إلى قرارات أممية ومبادرات قابلة للتنفيذ، وأن الوضع في المنطقة والقضية الفلسطينية يتصدران محاور الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة. كما أبرزت أهمية مكافحة الإرهاب وحماية التعليم والتنمية الاجتماعية، إلى جانب التحضير للاجتماع رفيع المستوى للبلدان الأقل نمواً المقرر عقده في الدوحة في مارس 2027، وتعزيز حضور الكفاءات الدبلوماسية القطرية داخل المنظمة الدولية، مشددة على أن الحضور الدبلوماسي لا يُقاس بإلقاء البيانات فقط، وإنما برئاسة اللجان وتيسير المفاوضات والمشاركة الفاعلة في صياغة القرارات. واستعرضت سعادتها خلال الحوار أبرز محطات الشراكة بين دولة قطر والأمم المتحدة، ودور «بيت الأمم المتحدة» في الدوحة، والمساهمات القطرية الإنسانية والتنموية، ودعم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن أولويات الدبلوماسية القطرية في ملفات أمن الخليج وفلسطين، وجهود دعم وقف إطلاق النار في غزة ومسار إعادة الإعمار، إلى جانب رؤية قطر لإصلاح متوازن للأمم المتحدة.

 

◄ يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، على المشاركة الفاعلة في الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة ومخاطبة المجتمع الدولي من على منبرها.. ما دلالات هذه المشاركة، وما الذي تمثله بالنسبة لحضور دولة قطر على الساحة الدولية؟

من المعلوم أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى حفظه الله، يحرص كل عام على المشاركة شخصيا في المحفل الدولي الأبرز لقادة العالم وهو المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم يتغيّب سموه – بتوفيق من الله تعالى – عن أي دورة. وهذا الحرص هو في حد ذاته رسالة رمزية مفادها إدراك دولة قطر لأهمية الأمم المتحدة والقانون الدولي والتعاون المتعدد الأطراف، واهتمام الدولة بدورها كعضو فاعل في المنظمة الدولية وكشريك دولي يُعوَّل عليه.

والخطاب السنوي لسموه من على منبر الجمعية العامة لا يمثل مجرد مشاركة بروتوكولية، بل يؤكد ثوابت السياسة الخارجية لدولة قطر ويرسم بوضوح أولوياتها ومواقفها من القضايا الإقليمية والدولية، ويبرز الدور المؤثر والمسؤول الذي تضطلع به دولة قطر في معالجة الأزمات وبناء الجسور وتقديم المبادرات العملية خدمةً للسلم والأمن والتنمية والازدهار على المستوى الدولي. وباتت معالم هذا الخطاب معروفة في أنه يتسم بالمبدئية في المواقف والوضوح في الرؤية والواقعية في الطرح.

وإن كان الخطاب السنوي لسموه محط الأنظار، فإن المشاركة لا تقتصر عليه فالأسبوع الرفيع المستوى أصبح محطة سنوية مكثفة يسعى خلالها القادة والشخصيات الدولية المؤثرة إلى عقد لقاءات مع سموه، مما يعكس مكانة دولة قطر ودورها المؤثر في القضايا الدولية والإقليمية، لا سيما في ملفات الوساطة وصون السلم والأمن والعمل الإنساني.

وبالنسبة لنا في الوفد الدائم، فإن هذه المشاركة تمثل ذروة عملنا على مدار العام، ونكرّس لها كل طاقاتنا من أجل إنجاح مشاركة وفد الدولة وإبراز الصورة المشرقة للدبلوماسية القطرية وإنجازات الدولة.

      • محاور الدورة 81 

◄  تشهد أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا على مستوى الاجتماعات واللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف. ما أبرز محاور مشاركة الوفد القطري خلال الدورة الـ81 ؟

تنعقد الدورة الحادية والثمانون في ظرف دولي وإقليمي بالغ الدقة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على محاور مشاركة وفد دولة قطر والبيانات ونقاط الحديث لأعضاء الوفد. ففي المقدمة يأتي الوضع في منطقتنا، حيث سيتم توضيح موقف دولة قطر المستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار، والتأكيد على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وضمان حرية الملاحة وأمن الممرات المائية الدولية، وضرورة خفض التصعيد والتسوية عبر الحوار.

وعلاوة على ذلك، تظل القضية الفلسطينية تحتل موقعاً محورياً بالنسبة لدولة قطر، التي قامت بدور أساسي كوسيط في الجهود التي أدت إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتواصل العمل مع شركائها على ترسيخه والبناء عليه، ومعالجة الوضع الإنساني ودعم إعادة الإعمار، والدفع نحو التسوية العادلة والشاملة والدائمة وتمتع الشعب الفلسطيني الشقيق بكامل حقوقه وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وستتمحور مشاركة الوفد القطري أيضا على المحطات الأخرى في جهود الوساطة القطرية المستمرة التي شملت مؤخرا دعم تحقيق السلام والاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية كولومبيا.

وفي المجالات الأخرى التي تشكل أولوية لدولة قطر والمطروحة على جدول الأعمال الدولي تأتي قضايا مكافحة الإرهاب، وإصلاح الأمم المتحدة، وحماية التعليم، وتمكين الشباب والمرأة، وفق نهج شامل يحترم القانون الدولي وحقوق الإنسان، وكذلك متابعة مخرجات القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التي استضافتها الدوحة في نوفمبر الماضي، والتحضير للاجتماع الرفيع المستوى لاستعراض منتصف المدة لبرنامج عمل الدوحة لصالح أقل البلدان نمواً، الذي تتطلع دولة قطر لاستضافته في مارس 2027، ومؤتمر المفوضين لاتحاد الاتصالات الدولي الذي تتطلع لاستضافته في نوفمبر القادم.

وإلى جانب ذلك، نعمل على تنظيم فعاليات جانبية بالشراكة مع دول ووكالات أممية ومؤسسات قطرية، لتسليط الضوء على أولويات دولة قطر ومبادراتها.

      • إجراءات ضد الاعتداءات الإيرانية

◄ شهدت الفترة الأخيرة نشاطًا دبلوماسيًا قطريًا مكثفًا للوفد الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، في ضوء التطورات الإقليمية، بما في ذلك الهجمات الإيرانية على دولة قطر ودول مجلس التعاون وإغلاق مضيق هرمز. كيف تحركت الدبلوماسية القطرية داخل الأمم المتحدة للتعامل مع هذه التطورات وحشد المواقف الدولية تجاهها ؟

بمجرد تعرض دولة قطر لاعتداءات على سيادتها وحرمة أراضيها من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اتخذت الإجراءات اللازمة للتصدي لهذه الاعتداءات مع الاحتفاظ بحقها في الرد، في ظل نهج ملتزم بالاحتكام إلى القانون الدولي والعمل على خفض التصعيد والتسوية بالسبل السلمية، وبادرت بتوثيق الوقائع، وتحركت عبر أدوات القانون والدبلوماسية. وفي هذا الإطار، نهض الوفد الدائم بمهامه لحشد موقف دولي واضح، فقد بادرنا منذ اليوم الأول إلى توجيه عدد من الرسائل الرسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، وثّقنا فيها الاعتداءات بالتفصيل والأضرار الناجمة عنها، وأكدنا انتهاك الهجمات للقانون الدولي واحتفاظ دولة قطر بحقها في الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة. كما وجهنا ست رسائل تضمنت الرد على ادعاءات باطلة وردت في رسائل وجهها وفد إيران إلى الأمين العام ومجلس الأمن. وهي تشكل سجلاً قانونياً موثقاً أمام المنظمة الدولية.

وإلى جانب المسار الأممي، عملنا ضمن الأطر العربية والإسلامية، وشاركنا في الاجتماعات الطارئة للمجموعة العربية ولمجموعة منظمة التعاون الإسلامي في نيويورك، وفي اجتماعات المندوبين الدائمين لدول مجلس التعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة. وقد عملنا ضمن المجموعة الخليجية بتنسيق كامل وبموقف موحد، وهو ما أثمر عن اعتماد مجلس الأمن في 11 مارس للقرار 2817 (2026) الذي أدان الهجمات الإيرانية على دولة قطر والدول الشقيقة وطالب بوقفها الفوري. وقد حظي القرار بمشاركة عدد قياسي من الدول في تقديمه تجاوز 135 دولة، وهو غير مسبوق في تاريخ قرارات مجلس الأمن.

ومن خلال اللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف، وكذلك المشاركة في مختلف اجتماعات مجلس الأمن والجمعية العامة وغيرهما، حرصنا على إبراز عدالة موقف دولة قطر بشأن النزاع، وتسليط الضوء على العناصر الأساسية والمبدئية لهذا الموقف، وخصوصا فيما يتعلق بملف مضيق هرمز، وما يمليه القانون والأعراف الدولية بشأن ضرورة الحفاظ على حرية وأمن الملاحة فيه وعدم جعلها ورقة للضغط أو المساومة، إضافةً إلى التشديد على البعد الدولي لهذه القضية كونها تمس السلم والأمن والحق في التنمية وتؤثر على سلاسل إمداد الطاقة والأسمدة والغذاء على مستوى العالم.

      • شراكة أممية وثيقة

◄ تتمتع دولة قطر بدور فاعل في عدد من القضايا الإقليمية والدولية، إلى جانب شراكتها الوثيقة مع الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة. كيف تنظرون إلى تطور هذه الشراكة وإلى مكانة قطر في العمل متعدد الأطراف؟

الشراكة بين دولة قطر ومنظومة الأمم المتحدة انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى طور شراكة استراتيجية مؤسسية نموذجية، وهي شراكة تقوم على ثلاث ركائز متكاملة:

أولا – الدعم المالي المستدام. فعلى مدى السنوات الأخيرة قدمت دولة قطر مساهمات ملموسة لصالح الموارد الأساسية لمختلف هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها وصناديقها وبرامجها، بإجمالي بلغ مئات الملايين من الدولارات. والأهم من الحجم هو طبيعة هذا التمويل، إذ أن كون الدعم متعدد السنوات، وغير مخصص للموارد الأساسية، يجعله يحظى بتقدير خاص لدى الأجهزة الأممية، لأنه يمكّنها من التخطيط والاستجابة السريعة والفعالة بدلاً من التعامل مع التمويل الموسمي المشروط.

ثانيا – التواجد الميداني. فقد أصبحت الدوحة مقراً لعدد من المكاتب والمراكز الأممية، توّجه افتتاح «بيت الأمم المتحدة» الذي جمع هذا التواجد تحت سقف واحد، ونعمل حاليا على تعزيز مكتب البرامج التابع لمكتب مكافحة الإرهاب.

ثالثا – المبادرة والمشاركة الموضوعية. فدولة قطر لا تكتفي بالدعم بل تقوم بالمبادرات والشراكات الاستراتيجية، فمثلا اعتمدت الجمعية العامة، بمبادرة من دولة قطر، القرار الذي حدد التاسع من سبتمبر من كل عام، يوما دوليا لحماية التعليم من الهجمات، كما اعتمدت الجمعية العامة، العاشر من مارس من كل عام، يوما دوليا للقاضيات، بمبادرة من دولة قطر أيضا، فضلاً عن استضافة الدوحة لأكبر مؤتمرين أمميين خلال السنوات الأخيرة: مؤتمر الأمم المتحدة الخامس لأقل البلدان نمواً، ومؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية.

أما مكانة دولة قطر في العمل متعدد الأطراف، فمن أوضح المؤشرات عليها نجاح ترشيحات الدولة لعضوية الهيئات الأممية بأعداد أصوات مرتفعة، كما أن الدول والأمانة العامة للأمم المتحدة تلجأ إلى دولة قطر لكونها طرفاً موثوقاً في التيسير والوساطة وتقريب المواقف. وهذه المكانة هي ثمرة نهج متسق وشراكات طويلة الأمد.

      • تنسيق عربي وإسلامي

◄ كيف تقيّمون مستوى التنسيق بين دولة قطر والدول العربية والإسلامية في الأمم المتحدة، وهل هناك ملفات تحتاج إلى مزيد من العمل المشترك وتوحيد المواقف؟ 

لا شك أن الموقف الجماعي يعطي الرسائل السياسية والقانونية ثقلا أكبر. وفي هذا الإطار فإن التنسيق العربي والإسلامي في نيويورك عمل مستمر ومنهجي. ودولة قطر هي عضو نشط في المجموعة العربية ومجموعة منظمة التعاون الإسلامي ومجموعة دول مجلس التعاون ومجموعة الـ77 والصين والمجموعة الآسيوية، وتشارك بانتظام في اجتماعات هذه المجموعات على مستوى المندوبين الدائمين والخبراء، وفي «الترويكا» الموسعة للمجموعة العربية ولقاءاتها مع الأمين العام للأمم المتحدة. وقد ترأسنا المجموعة العربية خلال شهر أغسطس الماضي حيث قمنا بتنسيق أعمالها وإلقاء البيانات في اجتماعات مجلس الأمن والجمعية العامة باسمها.

وأستطيع القول إن العام المنصرم شهد مستوى من التماسك يستحق التنويه. فالموقف الخليجي والعربي إزاء الاعتداءات التي تعرضت لها دول المنطقة كان موحداً بشكل لافت، وهذه الوحدة هي التي أثمرت النتائج التي تحدثنا عنها في مجلس الأمن وفي المحافل الأخرى. وكذلك الحال في القضية الفلسطينية، حيث تتحرك المجموعة العربية ككتلة واحدة بالتنسيق مع وفد دولة فلسطين. كما تم التفاوض بشكل جماعي من قبل المجموعة الإسلامية على قرار استعراض الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب.

ويظل هناك مجال لتعزيز العمل المشترك والمزيد من الجهود لتوحيد المواقف في مرحلة مبكرة، وتحويل التضامن السياسي إلى نصوص وقرارات ومبادرات قابلة للتنفيذ. ودولة قطر تؤمن بأن الحوار داخل البيت العربي والإسلامي هو الطريق الأمثل لتقريب وجهات النظر وتعزيز الفاعلية في المحافل الدولية.

      • النهوض بمصالح الدولة

◄ منذ توليكم مهام المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، ما أبرز الإنجازات والمحطات التي تعتزون بها؟ وما أبرز الأهداف التي تطمحون إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة؟

منذ أن نلتُ شرف تمثيل بلدي أمام المنظمة الدولية، وهي مسؤولية جسيمة، وأنا أضع نصب عيني هدفاً أسمى هو تعزيز مكانة الدولة في المجتمع الدولي والنهوض بمصالحها، من خلال تجسيد الرؤية الحكيمة للسياسة الخارجية التي رسمها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى حفظه الله، والتنفيذ الفاعل لتوجيهات معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية.

ومن المحطات التي أعتز بها على الصعيد المؤسسي، قيادة عمليات تفاوضية بالغة الحساسية أُسندت إلى دولة قطر بثقة الدول الأعضاء، شملت عدة أدوار تفاوضية أبرزها: تيسير المفاوضات الحكومية الدولية على البيان الصادر عن الاجتماع الرفيع المستوى بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الأمم المتحدة، وتيسير المفاوضات على الإعلان السياسي لقمة أهداف التنمية المستدامة، ورئاسة عملية المشاورات الحكومية الدولية حول إصلاح مجلس الأمن، ورئاسة اللجنة السادسة المعنية بالشؤون القانونية.

وعلى صعيد الشراكة مع المنظومة الأممية، أعتز بأن دولة قطر أصبحت الشريك الأهم لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب منذ تأسيسه، وبأن الدوحة صارت اسماً يقترن بأكبر المؤتمرات الأممية، وبافتتاح بيت الأمم المتحدة، وبتوقيع اتفاقات شراكة متعددة السنوات مع عدد كبير من وكالات ومكاتب وإدارات الأمم المتحدة.

أما الأهداف للمرحلة المقبلة، فأوجزها في: مواصلة هذا الالتزام بإبراز اسم وموقع دولة قطر على الصعيد الدولي؛ وترسيخ دور دولة قطر كشريك للمنظومة الأممية وحضورها في مواقع صنع القرار، خاصة مع قدوم أمين عام جديد للأمم المتحدة اعتبارا من مطلع العام القادم؛ ومتابعة تنفيذ مخرجات المؤتمرات التي استضافتها الدوحة، والتحضير للمؤتمرات المقبلة؛ وتوسيع حضور الكفاءات القطرية داخل الأمانة العامة والوكالات.

      • أداء دبلوماسي رفيع

◄ نجح الوفد الدائم لدولة قطر في تعزيز مشاركة الكفاءات الدبلوماسية القطرية في الاجتماعات الدولية وإلقاء بيانات الدولة في مختلف المحافل. كيف تنظرون إلى مستقبل حضور الدبلوماسي القطري داخل الأمم المتحدة والهيئات والمنظمات التابعة لها؟

وجه الدبلوماسية القطرية في المحافل الدولية هو الدبلوماسي الذي يشغل مقعد دولة قطر في تلك المحافل، وينبغي أن يرقى دائماً إلى قدر هذه المسؤولية. وهي مسؤولية تقع على عاتق كل من يمثل الدولة، بدءاً بالمندوب الدائم ووصولاً إلى كل فرد من الإخوة والأخوات أعضاء الوفد الدائم.

ونحن نحرص على الأداء الدبلوماسي الرفيع وعلى الإلمام والتحضير الجيد للمواضيع التي نعمل عليها، لضمان مصالح دولة قطر من جهة، وللحفاظ على صورتها المشرقة أمام المجتمع الدولي من جهة أخرى.

وتحرص وزارة الخارجية على ابتعاث مجموعة من الدبلوماسيين الشباب من مختلف الإدارات للمشاركة مع الوفد الدائم في تغطية أعمال الجزء الرئيسي من الدورة السنوية للجمعية العامة ولجانها، وهي تجربة تكسبهم خبرة عملية يصعب تحصيلها بغير الحضور الشخصي واختبار التفاوض على أرض الواقع.

وبالإضافة إلى ذلك، تولي دولة قطر أولوية لإلحاق كفاءات قطرية بالعمل داخل المنظومة الأممية نفسها، ومنها برنامج الموظفين الفنيين المبتدئين من خلال اتفاقات أُبرمت مع عدد من الإدارات والوكالات. وأرى أن هذا هو الاستثمار الأهم على المدى البعيد، لأن حضور الدبلوماسي القطري لا يقاس فقط بعدد البيانات التي يلقيها، بل بقدرته على شغل مواقع التأثير، بما فيها رئاسة اللجان وتيسير المفاوضات والعمل داخل الأمانة العامة. ويعد انتخاب دولة قطر مقرراً للجنة السادسة لهذه الدورة مثالا على هذا المسار.

وأرى أن مستقبل الحضور القطري داخل الأمم المتحدة واعد، لأنه يستند إلى رؤية تستثمر في الإنسان، وإلى مدرسة دبلوماسية تؤمن بالتحضير الجاد والالتزام بالمصلحة الوطنية والقانون الدولي.

      • قطر تتصدر الدول الداعمة 

◄ تُعد دولة قطر من الدول الداعمة لبرامج ومبادرات الأمم المتحدة في مجالات متعددة. كيف يمكن توصيف حجم وطبيعة الدعم القطري للمنظمة، وما أبرز المجالات التي يتركز فيها هذا الدعم؟

تأتي نسبة مساهمات دولة قطر المالية الطوعية لصالح أنشطة الأمم المتحدة ومواردها الأساسية في مراتب متقدمة جداً بين سائر الدول، وهو أمر لافت خاصة من قبل دولة تعتبر من الدول النامية. وهذا انعكاس لثقافة قطر المعطاءة وحرصها على خدمة الإنسانية. ومن أبرز المجالات:

مكافحة الإرهاب: دولة قطر هي المساهم الأكبر لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب منذ تأسيسه، عام 2019، وقد تجاوز إجمالي تعهداتها حتى الآن 141 مليون دولار، أي ما يقارب ثلث مجموع التبرعات المقدمة للصندوق الاستئماني للمكتب.

العمل الإنساني: دولة قطر من بين الدول الخمس الأكبر دعماً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وتقدم دعماً متعدد السنوات لموارده الأساسية، وتساهم بانتظام في الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ وفي الصناديق القُطرية المجمّعة.

التنمية والتعليم والصحة والطفولة: وذلك عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف واليونسكو والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية وغيرها.

دعم منظمة الأمم المتحدة: مثلا من خلال تمويل مشروع رقمنة وثائق الأمم المتحدة للحفاظ على إرث المنظمة وإتاحته للعالم إلكترونياً.

ولا يقتصر الدعم على الجانب المالي، بل يشمل الدعم السياسي واللوجستي والفني، واستضافة المؤتمرات، وتيسير المفاوضات، وتسهيل مهام الأمم المتحدة في ملفات معقدة.

      • بيت الأمم المتحدة في الدوحة 

◄ كيف أسهم مكتب الأمم المتحدة في قطر في تعزيز التعاون بين دولة قطر والمنظمة الدولية، ودعم تنفيذ المبادرات والبرامج المشتركة؟

افتتاح «بيت الأمم المتحدة» في الدوحة كان تتويجاً لمسيرة الشراكة بين دولة قطر ومنظومة الأمم المتحدة، إذ جمع التواجد الأممي في الدوحة تحت سقف واحد، بعد أن كان موزعاً على مقار متفرقة.

وأهمية هذا التجميع ليست إدارية فحسب.

فوجود عدد من الوكالات والمكاتب في مكان واحد ينتج تنسيقاً أفضل بين الوكالات نفسها، ويؤسس نقطة اتصال واضحة للجهات القطرية الحكومية والأكاديمية والمجتمع المدني، ومنبراً حيوياً للحوار وتشارك الخبرات وتقديم المشورة.

ومن الناحية العملية، سهّل هذا التواجد إعداد وتنفيذ عدد من البرامج المشتركة، ومكّن من تحويل الاتفاقات الموقّعة في نيويورك وجنيف إلى مشاريع على الأرض بوتيرة أسرع. كما كان له دور في التحضير للمؤتمرات الكبرى التي استضافتها الدوحة وفي متابعة مخرجاتها.

وعلى المستوى الإقليمي، فإن التواجد الميداني للمنظمة الدولية قرب الجهات المستفيدة أمر جوهري لفاعلية جهودها، فإن للأمم المتحدة دوراً في التصدي للتحديات المختلفة في المنطقة التي تعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وبيت الأمم المتحدة في الدوحة يجسد هذا التواجد ويتيح الاستفادة المثلى من إمكانيات الوكالات الأممية، ومن الخبرات المتوافرة في دولة قطر على مختلف المستويات، ومن ناحية أخرى يساهم في بناء القدرات الوطنية.

      • الدوحة منصة لمؤتمرات كبرى 

◄ استضافت الدوحة خلال السنوات الماضية عددًا من المؤتمرات والفعاليات الدولية الكبرى بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهي استضافات تتطلب تحضيرات مكثفة ومتابعة مستمرة لمخرجاتها. ما أبرز المؤتمرات والملفات المدرجة على الأجندة القطرية في هذا الإطار خلال المرحلة المقبلة؟

أصبحت الدوحة اسماً يتكرر بالاقتران مع أسماء كبرى لمؤتمرات الأمم المتحدة، بدءاً من مؤتمر المتابعة الدولي لتمويل التنمية عام 2008، والمنتدى الرابع لتحالف الحضارات عام 2011، المؤتمر الثامن عشر للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 2012، ومؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية عام 2015 وغيرها. وفي السنوات الأخيرة كانت المحطتان الأبرز هما مؤتمر الأمم المتحدة الخامس المعني بأقل البلدان نمواً الذي عُقد بالدوحة في مارس 2023 واعتمد برنامج عمل الدوحة للعقد 2022-2031، ومؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية الذي استضافته الدوحة في نوفمبر الماضي واعتمد «إعلان الدوحة السياسي»، وهذا أول مؤتمر قمة عالمي للتنمية الاجتماعية منذ ثلاثة عقود، وبعد نجاحه، سيكون التركيز على متابعة تنفيذ هذا الإعلان وتحويل الالتزامات إلى نتائج عملية في مجالات مكافحة الفقر، والعمل اللائق، والاندماج الاجتماعي، والمتابعة عبر «منصة الدوحة لحلول التنمية الاجتماعية» التي أُطلقت لتكون آلية عملية موجهة نحو النتائج، لعرض السياسات القابلة للتطبيق والتوسع ورصد الالتزامات وتبادل الخبرات.

وخلال المرحلة المقبلة يتم التحضير لعقد المزيد من المنتديات الدولية المهمة، بما فيها الاجتماع الرفيع المستوى لاستعراض منتصف المدة لبرنامج عمل الدوحة لصالح أقل البلدان نمواً، الذي تتطلع دولة قطر لاستضافته في مارس 2027، وهذا استحقاق مهم، لأنه المحطة التي يُقاس عندها ما إذا كانت التزامات الدوحة قد تُرجمت فعلاً إلى نتائج لصالح أكثر من مليار إنسان.

      • مبادرات قطرية لإصلاح المنظمة

◄ في ظل النقاشات المتواصلة بشأن إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز فاعلية مجلس الأمن، ما أبرز الرؤى والمبادرات التي تدعمها دولة قطر لتطوير أداء المنظمة وضمان تعامل أكثر فاعلية وعدالة مع القضايا العربية والإقليمية؟

تدعم دولة قطر إصلاحا عمليا ومتوازنا للأمم المتحدة، يحافظ على مقاصد الميثاق ويجعل المنظمة أكثر قدرة على التنفيذ والإنصاف. ودولة قطر تدعم مسار الإصلاح على أكثر من مستوى:

فعلى مستوى المنظومة، تتابع دولة قطر باهتمام مبادرة UN80 للإصلاح، وتؤيد هذه المبادرة التي تركز على التصميم والتنفيذ، وتنطوي على ترشيد الهياكل وتفادي الازدواجية وتحسين الكفاءة في استخدام الموارد. ونشدد في الوقت ذاته على أن الإصلاح يجب ألا يكون مجرد تدبير لخفض التكاليف، وألا يأتي على حساب الولايات المتعلقة بالتنمية وحقوق الإنسان والعمل الإنساني، وأن يقترن بوفاء الدول الأعضاء بالتزاماتها المالية تجاه المنظمة.

وإلى جانب ذلك، تدعم دولة قطر تنشيط أعمال الجمعية العامة، وتحديث أساليب عمل المنظمة، ومواكبة التطورات التكنولوجية، وقد قدمت الدعم لمشروع «رقمنة» وثائق الأمم المتحدة.

وعلى مستوى مجلس الأمن، فقد شرّفني أن ترأستُ لدورتين متتاليتين عملية المشاورات الحكومية الدولية حول إصلاح المجلس، وأعرف عن قرب مدى تعقيد هذا الملف. وموقف دولة قطر واضح إذ تؤكد أهمية تعزيز تمثيله وعدالته وشفافيته وتحسين أساليب عمله، بحيث يكون أكثر استجابة للقضايا العربية والإقليمية وأكثر قدرة على منع النزاعات وحماية المدنيين. وفي مسألة حق النقض، تولي دولة قطر اهتماماً بمبادرة «الفيتو» التي تُلزم الجمعية العامة بالانعقاد لمناقشة أي استخدام لحق النقض، إدراكاً منها لأهميتها في تجسيد دور الجمعية العامة.

      • صناديق داعمة للدبلوماسية الإنسانية

◄ تلعب دولة قطر دورًا بارزًا في مجال الدبلوماسية الإنسانية والتنموية، من خلال التعاون مع مكاتب ووكالات الأمم المتحدة المختلفة، إلى جانب صندوق قطر للتنمية ومؤسسات مثل «التعليم فوق الجميع»، سواء في الاستجابة الطارئة أو دعم الفئات الأكثر ضعفًا أو تنفيذ المشروعات التنموية. كيف تقيّمون هذا الدور، وما أبرز المبادرات والفعاليات التي عكست هذا الحضور خلال الفترة الماضية؟

الدبلوماسية الإنسانية والتنموية هي من المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية لدولة قطر انطلاقا من مبادئها الأصيلة وقناعتها بأن السلام لا يستدام من دون تنمية وأن أفضل سبيل لمنع النزاعات هو معالجة أسبابها الجذرية. ففي عالم تتزايد فيه أعداد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية بينما تتراجع مستويات التمويل الدولي، تكتسب المساهمات القطرية قيمة مضاعفة.

وعلى مستوى الاستجابة الطارئة، واصلت دولة قطر خلال الفترة الماضية دعمها لجهود الإغاثة في قطاع غزة والسودان وغيرهما من مناطق الأزمات، عبر المساهمات المباشرة والصناديق الأممية المجمّعة والصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ، فضلاً عن الجسور الجوية والمساعدات العينية. وقد بلغ إجمالي ما قدمته دولة قطر لوكالات الأمم المتحدة وبرامجها ومبادراتها خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات، وهي في عداد الدول الخمس الأكبر دعماً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025.

      • مشاريع وملفات مقبلة

◄ ما أبرز المشاريع والملفات المقبلة التي ستركز عليها البعثة الدائمة لدولة قطر لدى الأمم المتحدة خلال المرحلة القادمة؟

أولوياتنا للمرحلة المقبلة تتوزع على عدة مسارات منها:

• متابعة الملفات السياسية العاجلة، وفي مقدمتها أمن منطقة الخليج العربي، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وحماية الملاحة الدولية. وسنواصل العمل لحشد التأييد الدولي مع الاستمرار في دعم كل مسار تفاوضي يفضي إلى خفض التصعيد وعودة الاستقرار إلى المنطقة على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

• مواصلة دور دولة قطر الفاعل بشأن القضية الفلسطينية، وترسيخ وقف إطلاق النار في غزة والبناء عليه، ودعم مسار إعادة الإعمار، ومواصلة الدفع نحو التسوية العادلة والشاملة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تحظى بعضوية الأمم المتحدة في إطار حل الدولتين، والحفاظ على الزخم الدولي الذي تحقق في هذا الاتجاه.

• تعميق الشراكات الموضوعية. لا سيما في مكافحة الإرهاب، وفي مجالات الوساطة وتسوية المنازعات.

• وفوق ذلك كله، يبقى الثابت أن عمل الوفد الدائم هو خدمة أولويات السياسة الخارجية لدولة قطر كما رسمها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، والتنفيذ الفاعل لتوجيهات معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، والحفاظ على الصورة المشرقة لدولة قطر.

• مواصلة دعم الشراكات الإنسانية والتنموية، ومتابعة مخرجات المؤتمرات التي استضافتها أو ستستضيفها الدوحة مستقبلا.

• تعزيز حضور الكفاءات القطرية في الأمم المتحدة، بما يعكس صورة دولة قطر كعضو فاعل ومسؤول وشريك موثوق في العمل الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى