حوارات

السفير التركي: 125 اتفاقية ثمرة 11 دورة للجنة المشتركة.. وقطر وتركيا يربطهما مصير مشترك

الدبلوماسية ليست مجرد تمثيل رسمي للدول، ولا تقتصر على الاجتماعات والاتفاقيات والبروتوكولات، بل هي فن بناء الثقة، ومدّ جسور التواصل بين الشعوب. وفي هذا المعنى، كان سعادة د. مصطفى كوكصو السفير التركي لدى دولة قطر نموذجاً لدبلوماسي جمع بين الحضور الرسمي والبعد الإنساني، ونجح خلال ست سنوات في الدوحة في أن يكون خير ممثل لبلاده، وشريكاً فاعلاً في مسيرة العلاقات الاستراتيجية بين قطر وتركيا.

وخلال فترة عمله، شهدت العلاقات القطرية التركية زخماً متصاعداً وانتقلت إلى مستويات أكثر شمولاً في مجالات السياسة والدفاع والأمن والتجارة والاستثمار والتعليم والثقافة والسياحة، لكن نجاح د.كوكصو لم يكن محصوراً في الملفات السياسية والاقتصادية، فقد استطاع أن يصنع لنفسه حضوراً مختلفاً وقريباً من المجتمع القطري. ومنذ بداية مهمته، اختار أن يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، فدخل المجالس والبيوت، وشارك القطريين أفراحهم ومناسباتهم، واستمع إليهم وتفاعل معهم، حتى أصبح وجهاً مألوفاً وشخصية ودودة قريبة من القطريين ومن مختلف من يعيشون على أرض قطر، وتبادل معهم الألفة والمحبة.

وفي هذا الحوار الخاص مع الشرق، يتحدث السفير التركي في ختام مهمته عن ست سنوات حافلة بالمحطات السياسية والدبلوماسية والإنسانية، وعن شراكة قطرية تركية تعززت بالثقة المتبادلة، وحققت إنجازات نوعية في ملفات استراتيجية عدة، كما يكشف عن الجانب الأقرب إلى قلبه في تجربته بالدوحة: علاقته بالمجتمع القطري والصداقات التي بناها بعيداً عن أروقة السفارة والبروتوكول.

فكما يؤكد، لم تكن أثمن هبات قطر له منصباً رفيعاً أو جاهاً دبلوماسياً، بل أصدقاء أنقياء وأناساً كراماً تركوا بصمة لا تُمحى في قلبه، ليغادر الدوحة وهو يحمل قناعة راسخة بأنه لم يكن مجرد سفير للجمهورية التركية لدى قطر، بل كان وسيظل صديقاً مخلصاً لقطر وأهلها.

◄ بعد ست سنوات من العمل سفيرًا للجمهورية التركية لدى دولة قطر، تغادرون الدوحة اليوم ليس فقط كسفير أنهى مهمته وأسهم في تعزيز العلاقات المتميزة بين البلدين في مختلف المجالات، بل أيضًا كصديق ووجه مألوف لدى القطريين والمقيمين على أرض قطر. ما الكلمة التي تودون توجيهها في ختام هذه المرحلة؟

عندما قدمت إلى الدوحة قبل ست سنوات، كانت هذه محطتي الأولى كسفير، ولذا فقد شكلت بالنسبة لي أمانة كبرى وتحديا شخصيًا عميقًا كنت أدرك منذ اليوم الأول أنني أقف أمام صرح متين من العلاقات الاستثنائية بين تركيا وقطر، وأن المطلوب مني لا يقتصر على التمثيل الدبلوماسي التقليدي لبلادي، بل يتجاوزه إلى الارتقاء لمستوى هذه الثقة العظيمة، والمساهمة الفاعلة في تجذير هذه الشراكة وتمتين أواصرها.

أستحضر في ذاكرتي كيف دعوت الله في مستهل مهمتي أن يلهمني التوفيق والسداد لحمل هذه الأمانة. كنت أتساءل مراراً: هل سأتمكن من تقديم إضافة نوعية لعلاقة بهذا الزخم الاستراتيجي؟ هل سأكون عند حسن ظن قيادتي الرشيدة ووطني؟ كانت تساؤلات مشروعة، لأنني كنت أعي تماما أن النجاح في مهمة بهذا الثقل ليس أمرًا يسيرًا.

ومع انقضاء الأيام، تيقنت أن العمل الدبلوماسي يتجاوز حدود أروقة الاجتماعات وإبرام الاتفاقيات والمراسم الرسمية؛ إنه يتجلى في القدرة على كسب ثقة المجتمع، واستيعاب نبض البلد الذي تقيم فيه، ومعرفة السبيل لمد الجسور بين القلوب قبل بناء المؤسسات. ومن هذا المنطلق، حرصت منذ يومي الأول على التواجد المستمر في أوساط المجتمع القطري الأصيل، مستمعاً ومتعلماً وبانياً لعلاقات إنسانية صادقة وممتدة.

واليوم، وأنا أسترجع لحظة البداية وأقارنها بما يختلج في صدري الآن، أقول ولله الحمد إنني خضت غمار هذا التحدي بكل ما أوتيت من إخلاص وعزيمة. لا أدعي أنني أتممت كل ما طمحت إليه، فالحكم متروك للمنصفين، لكنني أوقن تمامًا أنني لم أدخر قطرة جهد في خدمة وطني والارتقاء بعلاقتنا الاستراتيجية مع دولة قطر الشقيقة.

ولعل أثمن ما حصدته من هذه المسيرة، أنني جئت إلى الدوحة ممثلاً لبلدي، وأغادرها اليوم حاملاً في وجداني أصدقاء وأخوة باتوا جزءاً لا يتجزأ من حياتي؛ وتلك، في تقديري، هي أسمى غاية يمكن أن يحققها دبلوماسي في مسيرته.

      • إنجازات قياسية

◄ ما أبرز التحولات والإنجازات التي شهدتها العلاقات القطرية التركية منذ توليكم مهامكم سفيراً لبلادكم لدى دولة قطر؟

أعتقد أن التحول الجوهري الذي طرأ خلال هذه السنوات، يتمثل في ارتقاء العلاقات القطرية – التركية من مربع «العلاقات الثنائية المتينة» إلى أفق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة والمتعددة الأبعاد».

لم تعد آفاق هذه العلاقة محصورة في الأطر السياسية أو الاقتصادية التقليدية، بل تمددت لتشمل قطاعات الدفاع، والأمن، والاستثمار، والتجارة، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والإعلام، وصولاً إلى تعميق الروابط الإنسانية والشعبية بين البلدين.

والإنجاز الأهم، من وجهة نظري، هو إضفاء الطابع المؤسسي الممنهج على هذه الشراكة. لقد باتت لدينا آليات راسخة للحوار والتنسيق، تتصدرها «اللجنة الاستراتيجية العليا»، التي غدت اليوم من أنجح وأهم الروافع المؤسسية لتطوير العلاقات بين البلدين.

ولكن، إذا طُلب مني اختزال الإنجاز الأكبر في كلمة واحدة، فسأقول بلا تردد: «ترسيخ الثقة المطلقة المتبادلة». فالاتفاقيات تُبرم، والمشاريع تُنفذ، بيد أن الثقة الراسخة بين الدول والقيادات والشعوب هي الضمانة الوحيدة لديمومة هذا التعاون واستدامته.

◄ كيف وجدتم مستوى التعاون والتجاوب من مختلف الوزارات والجهات القطرية، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، في دعم وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين؟

أستهل إجابتي برفع أسمى آيات الشكر والعرفان لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، ولمعالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، على ما أحطنا به دوماً من دعم استثنائي واهتمام بالغ، وحرص دؤوب على بلوغ العلاقات القطرية – التركية أوج ازدهارها. لقد كان هذا الدعم المستمر سنداً حقيقياً لنا، ولامسنا في كل محطة إرادة سياسية صادقة وحازمة لدى القيادة القطرية للارتقاء بهذه الشراكة الاستراتيجية.

وهنا، لا بد لي أن أخص بالذكر سعادة السفير إبراهيم فخرو (مدير إدارة المراسم بوزارة الخارجية)؛ فلا يمكنني العبور على هذه السنوات دون التوقف عند شخصه الكريم. لم يكن سعادته بالنسبة لنا مجرد مسؤول رفيع ننسق معه، بل كان أخاً نبيلاً وسنداً دائماً، يتعامل بنبض قلبه قبل سلطة منصبه. في محطات عديدة، جساماً كانت أم يسيرة، وجدناه حاضراً، مبادراً، وسباقاً لتقديم العون. ولا يمكن أن تُمحى من ذاكرتي وقفته النبيلة والصادقة معنا إبان جائحة كورونا، حينما كانت الظروف تلقي بظلالها الثقيلة على العالم بأسره. إن تقديري له لا يرتهن بموقف عابر، بل هو حصيلة مواقف متراكمة أكدت لي أن خلف هذا المنصب الرفيع إنساناً مخلصاً وصديقاً وفياً. لذا أقول له من هذا المنبر: «شكراً لك على كل مساندة، وعلى كل موقف نبيل، وعلى إنسانيتك التي طغت على كل شيء. ثمة أشخاص تنقضي علاقتنا بهم بانقضاء المهام، وثمة آخرون يخلدون في الذاكرة والقلب، وأنت حتماً من هؤلاء».

كما أزجي شكري العميق لكافة المسؤولين والكوادر في مؤسسات الدولة القطرية الذين تشرفنا بالعمل معهم. قد لا يدرك المرء حجم الأثر الذي يخلفه صنيعه الطيب، لكننا كنا نستشعره ونثمنه عالياً؛ فكلمة طيبة، أو اتصال في حينه، أو تسهيل لأمر يسير، كانت تمثل لنا الكثير في أحيان كثيرة.

لهذا، حين أستعيد شريط هذه السنوات، لا تقتصر ذاكرتي على الملفات الدبلوماسية والمراسلات الرسمية، بل تستحضر الوجوه المشرقة والمواقف النبيلة التي جعلت مهمتنا أكثر يسراً وجمالاً. وهذا هو الأثر الإنساني الخالد الذي يبقى طويلاً بعد طي الصفحات الرسمية.

      • زيارات متبادلة 

◄ شهدت فترة عملكم في الدوحة العديد من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى المتبادلة بين البلدين، بما في ذلك الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، إلى الجمهورية التركية. ما أبرز المواقف والذكريات والكواليس التي يمكنكم مشاركتنا بها من هذه الزيارات؟ 

أكثر ما استلهمته من هذه الزيارات الرفيعة، وما سيظل محفوراً في ذاكرتي، هو تلك الابتسامة المشرقة التي لا تفارق محيا حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مقرونة بتواضع جم وهدوء واثق. تلك الابتسامة كانت تبث في نفوس الحاضرين طمأنينة ويقيناً، وتُشعرك في كل لحظة بالمنزلـة الاستثنائية التي تحظى بها العلاقة مع تركيا في قلب سموه.

ومما استرعى انتباهي وأثار إعجابي البالغ، هو طابع العفوية، والأريحية، والثقة المطلقة الذي يغلف دائماً اللقاءات الثنائية بين سمو الأمير وفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان. كنت ألمس بوضوح كيف يتخطى حديثهما حدود الملفات الرسمية المدرجة على الطاولة، لينساب في نقاش صريح وشفاف، ينم عن أخوة صادقة وعلاقة شخصية وإنسانية شديدة العمق بين القائدين.

ولعل أكثر ما أثر في وجداني هو ذلك الاحترام المتبادل والتقدير الكبير الذي يُكنّه كل قائد للآخر؛ وهو تقدير نابع من القلوب ولا تستطيع صياغته أعراف البروتوكول. وعندما تتأصل هذه الثقة وتتجذر على مستوى القيادة العليا، فإنها تتدفق تلقائياً لتنعكس إيجاباً على أداء الحكومات، والمؤسسات، والتلاحم بين الشعبين.

لذلك، إن سألتموني عن أبرز ما علق في ذهني من تلك الزيارات، فلن أشير إلى قمة بعينها أو اتفاقية محددة، بل سأتحدث عن ذلك «اليقين» الذي كنت أخرج به عقب كل قمة؛ يقينٌ بأن مسار العلاقات القطرية – التركية موضوع في أيدٍ أمينة تؤمن به بشغف، وأن ما يربط بلدينا هو رباط مصيري يتجاوز حدود المصالح والملفات العابرة.

◄ عقدت اللجنة الاستراتيجية العليا المشتركة عددًا من الاجتماعات المهمة خلال فترة عملكم. ما أبرز الذكريات والمحطات التي ارتبطت باجتماعات اللجنة؟ وكيف أسهمت في تطوير العلاقات بين البلدين والارتقاء بها إلى هذا المستوى المتقدم؟

تمثل «اللجنة الاستراتيجية العليا»، في تقديري، واحدة من أبرز فصول النجاح في مسيرة العلاقات القطرية – التركية؛ فقد نجحت في تحويل مسار العلاقة من الارتهان للقاءات العابرة، إلى إطار مؤسسي مستدام يضمن المراجعة الدورية لما تم إنجازه، ورسم ملامح ما نطمح لتحقيقه، وتحديد البوصلة الاستراتيجية التي نتجه صوبها.

على الصعيد الشخصي، كنت شاهداً في كل دورة من دورات اللجنة على الاتساع المضطرد لأجندة التعاون. في كل انعقاد، كانت تُطرح ملفات حيوية، وتُبرم اتفاقيات نوعية، وتُدشن مشاريع طموحة، لتمتد مظلة التعاون من السياسة والدبلوماسية والدفاع والأمن، لتشمل التجارة، والاستثمار، والطاقة، والصناعة، وصولاً إلى التعليم، والثقافة، والصحة، والسياحة، والنقل، وغيرها من القطاعات الحيوية.

وحتى يومنا هذا، انعقدت إحدى عشرة دورة لهذه اللجنة، تُوجت بتوقيع أكثر من 125 اتفاقية استراتيجية، كان لي شرف التوقيع على 67 منها خلال فترة عملي في الدوحة. هذا الرقم لا يعكس مجرد إحصائية، بل يجسد كثافة العمل وحجم الإنجاز المتراكم الذي تحقق بفضل الله خلال هذه السنوات.

غير أن الأهمية الجوهرية للجنة لا تقاس كمياً بعدد الاتفاقيات، بل بكونها منصة فاعلة وديناميكية نجحت في ترجمة الإرادة السياسية الصادقة للقيادتين الحكيمتين إلى واقع ملموس ومشاريع استراتيجية تخدم مصالح البلدين.

أمنيتي الصادقة، والنابعة من القلب، أن تتواصل هذه المسيرة المباركة، وأن تظل هذه الشراكة، التي أرساها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان على دعائم الثقة والصداقة، شامخةً، لتُسلم إلى الأجيال القادمة وهي أكثر رسوخاً وعمقاً مما عهدناها.

• تلاحم مصيري

◄ خلال فترة عملكم، مرت العلاقات القطرية التركية بمحطات كثيرة، بعضها في أوقات من النجاح والفرح، وبعضها الآخر في أوقات صعبة وأزمات إقليمية ودولية، من جائحة كورونا إلى زلزال تركيا وحوادث مؤلمة شهدها البلدان. ما أبرز المواقف التي شعرتُم فيها فعلًا بمتانة العلاقة بين قطر وتركيا؟ وكيف أسهم هذا التعاون والتنسيق في تجاوز هذه الظروف؟

لو أردت توصيف صلابة العلاقات القطرية – التركية، فلن أتمكن من حصرها في نصوص الاتفاقيات وحجم المشاريع؛ فهناك مواقف استثنائية عاصرتها شخصياً، وأدركت في غمرتها أن هذه الشراكة تتخطى الأطر الدبلوماسية لتبلغ عمقاً إنسانياً وتلاحماً مصيرياً.

لقد استهللت مهمتي في الدوحة وسط ظروف قاهرة إبان جائحة كورونا، حين كان العالم بأسره يترنح تحت وطأة المجهول. في تلك الحقبة الحرجة، ظل التنسيق والتعاون بين بلدينا قائماً ومستمراً، ولامسنا وقفة قطرية نبيلة إلى جانب تركيا في توقيت كان الجميع فيه يصارع تداعيات الأزمة.

ثم أشرقت استضافة دولة قطر لبطولة كأس العالم FIFA 2022، لتشكل واحدة من أبهى المحطات التي عاصرتها هنا. لقد كان هذا الإنجاز القطري المذهل مبعث فخر واعتزاز لنا وللأمة الإسلامية جمعاء. وكنا في تركيا حريصين أشد الحرص على أن نكون مساهمين في هذه الملحمة؛ حيث شاركت كبريات الشركات التركية في تشييد بنية تحتية ومشاريع محورية للبطولة، وكنا نتابع هذا الإنجاز بشغف، مؤمنين بأن نجاح قطر هو انتصار لنا. كما وضعت تركيا كافة خبراتها وقدراتها لدعم الاستعدادات الأمنية والتنظيمية للبطولة. لقد كانت مشاهدة العالم بأسره يتوافد إلى الدوحة، ورؤية تركيا وقطر تتضافران لإنجاح هذا المحفل التاريخي، لحظة مجيدة لا تُنسى.

أما حين حلت فاجعة الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، فقد كانت تلك الأيام من أشد اللحظات التي تجلى فيها العمق الاستثنائي للعلاقة بين الشعبين. إن المشاعر الصادقة والنبيلة التي غمرتنا بها قطر، قيادةً وشعباً، كانت عظيمة جداً. رأينا جسور المساعدات، وشهدنا تلاحماً وجدانياً، والأهم من ذلك كله، شعرنا بيقين تام أن هناك شعباً شقيقاً يقف إلى جانبنا في واحدة من أقسى محننا التاريخية. تلك الوقفات تُحفر في الوجدان ولا تُمحى.

وعلى الصعيد السياسي، ووسط الأزمات الإقليمية الكبرى وفي طليعتها الحرب الجائرة على غزة، بقي التنسيق القطري – التركي مستمراً ومكثفاً، سياسياً وإنسانياً، وعلى أرفع المستويات. تشاورنا بلا انقطاع حول تطورات المشهد، وبحثنا سبل لجم العدوان، وضمان تدفق الإغاثة، ومساندة مساعي الوساطة. إن بقاء قنوات الاتصال الفاعل مفتوحة بين أنقرة والدوحة كان حيوياً في هذه المرحلة المفصلية، لأننا كنا نتحرك من منطلق عقيدة واحدة: إنهاء مأساة غزة، فرض الوقف الفوري لإطلاق النار، وإرساء حل عادل وشامل.

من المحطات المؤلمة التي أدمت قلبي أيضاً، حادثة سقوط المروحية في قطر. كانت فاجعة قاسية، غير أن ما لمسناه حينها تجاوز حدود التضامن الرسمي المعتاد. في مثل تلك اللحظات، تدرك أن هذه الشراكة قد تخطت لغة المصالح، وأن الدماء قد امتزجت والمُصاب أصبح واحداً؛ وهي مشاعر أعمق من أن تصفها الكلمات.

وكذلك، حين ودعت قطر المغفور له بإذن الله، سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، كانت لحظة أسى بالغ لنا في تركيا. لقد كان سموه قامة تاريخية كبرى ترك بصمات خالدة تتجاوز حدود قطر، ليصبح فقيداً للأمتين العربية والإسلامية. كان يحظى في تركيا بتقدير وإجلال استثنائيين، تقديراً لعطاءاته العظيمة ولما أرساه من علاقات أخوية متينة معنا. يومها، شعرنا في تركيا أن حزن أشقائنا في قطر هو حزن يلفنا جميعاً، وأن فقدانهم هو فقداننا، وكانت تعازينا ومشاعرنا تنبع من صميم القلب.

خلاصة القول، وما استخلصته من تجربة هذه السنوات، أن صلابة التحالفات لا تُختبر في أوقات الرخاء والاحتفالات، بل تُمتحن وتُصقل في أتون الأزمات والملمات. وقد برهنت تركيا وقطر خلال السنوات الماضية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن ما يجمعهما ليس مجرد شراكة استراتيجية، بل أخوة مصيرية؛ نفرح معاً في أوقات المسرات، ونقف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً حين تشتد الخطوب.

• دعم جهود السلام

◄ كيف تقيّمون دور كلٍّ من قطر وتركيا في دعم جهود السلام والوساطة وحل النزاعات في المنطقة، لا سيما في قطاع غزة وسوريا وأفغانستان، إلى جانب عدد من القضايا والملفات الإقليمية الأخرى؟

أؤمن إيماناً قاطعاً بأن قطر وتركيا تنطلقان من عقيدة سياسية راسخة وموحدة، قوامها أن أزمات الإقليم المستعصية لا يمكن معالجتها بالاحتكام إلى لغة القوة أو التصعيد العسكري، ولا من خلال الإملاءات والحلول المستوردة التي تُفرض من الخارج. إن المخرج الوحيد يكمن في تغليب لغة الحوار والدبلوماسية، وامتلاك دول المنطقة للإرادة الحقيقية لحل أزماتها، والاحترام الصارم لمبادئ القانون الدولي.

وخلال السنوات الماضية، برهنا معاً على أن هذا الفهم المشترك ليس مجرد تنظير سياسي، بل تُرجم إلى تعاون منهجي فاعل في العديد من الملفات الشائكة.

تتصدر هذه الملفات مأساة غزة، التي تمثل، في تقديري، الاختبار الأقسى لسقوط مصداقية النظام الدولي. في هذا الصدد، قدمت تركيا دعماً مطلقاً لجهود الوساطة الاستثنائية التي تقودها قطر، بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة، سعياً لفرض وقف دائم لإطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتحضير لمرحلة إعادة الإعمار.

لقد ظل التشاور بين بلدينا مستمراً وعلى مدار الساعة، انطلاقاً من غاية واحدة: إنهاء المذبحة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وإرساء سلام عادل وشامل. وكما أكد فخامة الرئيس أردوغان مراراً، فإن تركيا لن تترك غزة وحيدة وستستمر في مساندتها بكل السبل. وفي ذات السياق، كان موقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حازماً وصادعاً بالحق، حين دعا المجتمع الدولي بوضوح لحماية الشعب الفلسطيني ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب بحقه. وسيبقى هدفنا الاستراتيجي المشترك هو تحقيق سلام عادل يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على خطوط عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي الملف السوري، تتطابق مواقفنا بشكل تام؛ حيث تدعم أنقرة والدوحة وحدة الأراضي السورية، وسيادتها، وسلامتها الإقليمية، انطلاقاً من إيماننا بأن استقرار سوريا ليس ضرورة للشعب السوري فحسب، بل هو ركيزة لأمن المنطقة بأسرها. ويتسع نطاق تعاوننا هنا ليشمل الأبعاد السياسية والإنسانية، ودعم جهود إعادة البناء، والتصدي الحازم للتنظيمات الإرهابية والمحاولات الانفصالية، ومنع التدخلات الخارجية من تقويض مستقبل سوريا.

أما في الملف الأفغاني، فقد شكل التنسيق القطري – التركي نموذجاً حياً للتكامل الدبلوماسي. حافظنا معاً على قنوات اتصال فاعلة مع كافة الأطراف، مسلطين الضوء على الضرورات الإنسانية العاجلة، واستقرار البلاد، وحماية حقوق الشعب الأفغاني. كما برهنت جهودنا المشتركة لدعم الحوار بين كابول وإسلام أباد على قدرة بلدينا على التكامل واحتواء التوترات حتى في أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.

ولا يقتصر هذا التنسيق على هذه الساحات؛ فمن الأزمة الروسية – الأوكرانية، مروراً بليبيا والسودان والصومال، وصولاً إلى منطقة القرن الأفريقي وغيرها من بؤر التوتر، تقف تركيا وقطر في خندق واحد، داعمتين للحلول السلمية المستندة إلى الحوار الوطني الشامل واحترام سيادة الدول.

ما يميز الشراكة القطرية – التركية حقاً، هو التكامل في الأدوات؛ فدولة قطر تمتلك خبرة استثنائية وقدرة فريدة على إدارة الوساطات المعقدة وفتح قنوات الحوار المغلقة، في حين تمتلك تركيا شبكة علاقات واسعة، وثقلاً إقليمياً ودولياً، وخبرة عميقة في التعامل مع ديناميكيات المنطقة. وحين تندمج هاتان القوتان، يتضاعف تأثيرنا الاستراتيجي بشكل ملحوظ.

وفي خضم التصعيد الأخير الذي يعصف بالمنطقة، تكتسب هذه الشراكة بُعداً أكثر إلحاحاً. وكما حذر فخامة الرئيس أردوغان، فإن تركيا ترفض بشكل قاطع تحويل المنطقة، بما فيها المضائق المائية الاستراتيجية، إلى ساحات مواجهة دائمة، مثمناً الجهود الحثيثة التي تبذلها قطر لوقف الانزلاق نحو الحرب. إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن التصعيد المستمر ليس في مصلحة أحد، وأن الاحتكام للمفاوضات هو المسار الأوحد لصياغة استقرار مستدام.

هذا هو، في نظري، الجوهر الحقيقي للشراكة بين تركيا وقطر: أننا لا نكتفي بتطابق المواقف، بل نملك القدرة والمبادرة، حين تشتد الأزمات، للعمل معاً وتحويل هذا التوافق إلى جهد ملموس يخفف الاحتقان، ويشرع الأبواب أمام الحوار، ويسهم بفاعلية في صناعة السلام.

• تحول إستراتيجي فارق

◄ تشهد العلاقات العسكرية بين الدوحة وأنقرة تطورًا ملحوظًا. كيف تطور هذا التعاون خلال فترة عملكم، وما أبرز محطاته، لا سيما وصوله إلى مرحلة التصنيع العسكري؟

شهدت العلاقات العسكرية بين الدوحة وأنقرة تحولاً استراتيجياً فارقاً؛ إذ انتقلت من مرحلة التعاون الثنائي القوي في مجالات التدريب والتعليم العسكري والمناورات المشتركة، إلى آفاق «شراكة دفاعية شاملة ومندمجة» ترتكز على تطوير القدرات المشتركة، وتبادل التكنولوجيا، والارتقاء بالصناعات الدفاعية.

لقد تكرس الطابع المؤسسي لهذا التعاون عبر تكثيف التمارين العسكرية المشتركة، وتنفيذ برامج التدريب المتقدمة، وتبادل الخبرات بين القيادات العسكرية والمؤسسات الأمنية، فضلاً عن إدامة الحوار الاستراتيجي حول القضايا الجيوسياسية والدفاعية.

غير أن النقلة النوعية الأبرز، من وجهة نظري، هي انتقالنا من نمط العلاقة الاستهلاكية القائمة على «شراء المعدات»، إلى شراكة تكاملية ترتكز على «تطوير وإنتاج القدرات المشتركة». نشهد اليوم استثمارات قطرية واعدة في منظومة الصناعات الدفاعية التركية، وتعاوناً مثمراً بين «برزان القابضة» وكبريات الشركات الدفاعية التركية، بالإضافة إلى الشراكة الاستراتيجية مع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية في مجالات البحث، والتطوير، ونقل التكنولوجيا.

نحن نتحدث اليوم، وبكل فخر، عن نقل وتوطين التكنولوجيا، وتطوير الأبحاث المشتركة، والإنتاج المتكامل، بل واستكشاف آفاق التعاون لولوج أسواق دول ثالثة. هذه الخطوات الجبارة تجعل من تعاوننا مساراً استراتيجياً مستداماً، متحرراً من الارتباط بصفقات تجارية عابرة.

تمتلك تركيا اليوم قدرات تكنولوجية وخبرات تصنيعية متقدمة عالمياً في قطاعات الأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والمنظومات البحرية، وأنظمة الاتصالات والقيادة والسيطرة. في المقابل، تتمتع قطر بقدرات استثمارية قوية ورؤية سيادية طموحة للنهوض بصناعتها الدفاعية. هذا التلاقي يجعل من تكامل قدرات البلدين مساراً طبيعياً وحتمياً.

وقد أكدنا مجدداً، خلال الاجتماع الحادي عشر للجنة الاستراتيجية العليا في أكتوبر 2025، على الأهمية القصوى لتعميق التعاون في التمارين والتدريب، والتسليح، والدعم اللوجستي، والعمل الدؤوب لتطوير التقنيات والقدرات الإنتاجية بشكل مشترك.

إن تطور التعاون في القطاعات البرية، والجوية، والبحرية، إلى جانب التكامل في مجالات الطيران والسفن الحربية التركية، يجسد المستوى المتقدم الذي ارتقى إليه تحالفنا الدفاعي. وفي هذا السياق، يبرز التعاون الاستراتيجي المتعلق بطائرات (Eurofighter Typhoon) كمحطة محورية في هذا المسار الطموح.

وهنا، أود التشديد بوضوح على أن هذا التعاون الدفاعي لا يُوجه ضد أي طرف إقليمي أو دولي؛ بل تكمن غايته الأسمى في تحصين بلدينا، وصون أمنهما واستقرارهما، وتعزيز قدراتهما السيادية على الدفاع عن مصالحهما، والمساهمة الفاعلة في إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وعليه، عندما نناقش التصنيع العسكري، فإننا لا نتحدث عن خطوط إنتاج للعتاد فحسب، بل نؤسس لبناء قدرات سيادية مشتركة، وتطوير تكنولوجيا المستقبل، ونقل المعرفة، والاستثمار في العنصر البشري والبنية الصناعية. وهذا، في قناعتي المطلقة، هو التجسيد الحقيقي للشراكة الدفاعية الاستراتيجية التي شيدتها تركيا وقطر.

• شراكة تبادلية وعميقة

◄ شهدت فترة عملكم نشاطًا اقتصاديًا واستثماريًا متزايدًا بين البلدين. كيف تقيّمون مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين قطر وتركيا؟ وما المجالات التي لا تزال تمتلك فرصًا أكبر للنمو وتعزيز الشراكة بين البلدين؟

سجل التعاون الاقتصادي والاستثماري بين قطر وتركيا وثبات تنموية هائلة خلال السنوات المنصرمة، ليتبوأ مكانته كأحد أمتن ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

نحن نتحدث اليوم بفخر عن تواجد أكثر من 1000 شركة تركية تساهم في النهضة العمرانية والتنموية في دولة قطر، وفي المقابل، تحتضن تركيا نحو 250 شركة قطرية تدير استثمارات نوعية. هذا المشهد يبرهن على أن شراكتنا الاقتصادية باتت شراكة تبادلية وعميقة، ولم تعد تسير في اتجاه واحد. والأهم من ذلك، أن القطاع الخاص في البلدين تجاوز النظرة التقليدية للشراكة التجارية العابرة، ليؤسس لتحالفات استثمارية طويلة الأمد تدعم استدامة النمو.

لقد تابعتُ عن كثب خلال فترة عملي اتساع رقعة هذا الحضور المتبادل، والذي انطلق من قطاعات المقاولات والبنية التحتية، ليتشعب اليوم ويشمل الصناعة، والطاقة، والدفاع، والتكنولوجيا، والخدمات، والسياحة.

ولا يفوتني هنا الإشادة بـ «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة» (TEPA) الخاصة بالتجارة في السلع والخدمات والاستثمار، والتي نعتبرها قفزة استراتيجية حاسمة لتطوير البنية الاقتصادية بين البلدين، وتدشين حقبة جديدة من التعاون التجاري والاستثماري المنفتح.

اليوم، سقف طموحاتنا ارتفع كثيراً. نهدف إلى توسيع القاعدة الاقتصادية لشراكتنا، ورفع حجم التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات المتبادلة لبلوغ عتبة الـ 5 مليارات دولار. وهذا الهدف ليس بعيد المنال، بل هو واقعي تماماً إذا ما استمر القطاع الخاص في البلدين بالعمل بذات الزخم والروح الوثابة.

أرى أن آفاقاً رحبة وفرصاً استثمارية هائلة لا تزال تنتظرنا في قطاعات حيوية كالتكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، والطاقة، والأمن الغذائي، والسياحة، والاقتصاد الرقمي. إلا أن التحدي الأكبر والأهم في المرحلة المقبلة هو الانتقال من استثمار كل طرف في بلد الآخر، إلى «الاستثمار المشترك» في دول ثالثة؛ بحيث تُدمج القدرات والخبرات ورؤوس الأموال القطرية والتركية لاختراق أسواق إقليمية وعالمية جديدة.

أؤكد دائماً أن العلاقات الاقتصادية بين تركيا وقطر لا تُختزل في جداول إحصائية لحجم التجارة أو أرقام الاستثمار؛ فخلف هذه الأرقام تقف إرادات رجال أعمال، ومؤسسات طموحة، وكوادر بشرية، وعلاقات إنسانية ممتدة. وهذا هو الرأسمال الحقيقي والأساس المتين الذي سيحلق بشراكتنا الاقتصادية نحو آفاق أرحب في السنوات القادمة.

      • روابط شعبية 

◄ كيف تطورت العلاقات الثقافية والتعليمية والسياحية بين قطر وتركيا خلال السنوات الماضية؟ وإلى أي مدى أسهمت هذه المجالات في تعزيز التواصل والتقارب بين الشعبين الشقيقين؟

أعتبر هذا المضمار تحديداً من أثمن وأهم الإنجازات التي تحققت خلال مسيرة عملي الدبلوماسي؛ فقناعتي الراسخة أن العلاقات بين الدول لا تحيا بالدبلوماسية والاقتصاد فحسب، بل إن «الشعب» هو حجر الزاوية، وكلما تلاقت الشعوب وتآلفت ثقافاتها، تعززت بقية أركان التعاون وباتت أكثر مناعة وصلابة.

لقد شهدنا خلال هذه السنوات حراكاً ثقافياً استثنائياً بين البلدين، تجلى في تنظيم معارض فنية، وفعاليات فلكلورية، وبرامج ثقافية متبادلة نجحت في تعريف كل شعب بالإرث الحضاري والتاريخي للآخر، إلى جانب تعميق التعاون في حفظ التراث وتبادل الخبرات الثقافية.

وفي الحقل التعليمي، خطونا خطوات استراتيجية وثيقة عبر بناء شراكات مؤسسية مع أعرق الصروح الأكاديمية في قطر، كجامعة قطر، وجامعة لوسيل، وجامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات التعليمية المرموقة. وترافق ذلك مع التوسع في برامج تعليم اللغة والمنح الدراسية المتبادلة. وقد أثمر هذا الجهد عن استفادة أكثر من 100 طالب من فرص المنح والدراسة الأكاديمية بين البلدين.

كما أولي اعتزازاً خاصاً بالتعاون الأكاديمي مع «معهد الدوحة للدراسات العليا»، حيث أُتيحت الفرصة لدبلوماسيين أتراك لتلقي تعليمهم وتدريبهم هناك. أرى في هذا النوع من التبادل المعرفي أهمية استراتيجية بالغة، لأنه يشرع في بناء جسور متينة بين نخب ستتولى مستقبلاً صياغة وقيادة مسار العلاقات بين بلدينا.

ومن المشاريع التي أعتز بها كثيراً، مشروع «المدرسة التركية الجديدة» في قطر.

ندرك تماماً أن دولة قطر الشقيقة، ولله الحمد، تحفل بصروح ومؤسسات تعليمية رفيعة المستوى، غير أن النمو المطرد في أعداد أبناء الجالية التركية، وتنامي حرص العائلات على تنشئة أبنائها في بيئة تعليمية تركية، حتم علينا تلبية هذه الحاجة الماسة وتأسيس مدرسة جديدة ذات طاقة استيعابية وقدرات متطورة. وبفضل التعاون البناء مع الجانب القطري، شرعنا في إنجاز هذا المشروع الحيوي.

بالنسبة لي، لا يمثل هذا المشروع مجرد مبنى تعليمي، بل هو استثمار استراتيجي في أجيال المستقبل. ستكون هذه المدرسة الحاضنة التي تكفل لأبناء الجالية الحفاظ على هويتهم، ولغتهم، وثقافتهم الأم، في انسجام تام وتفاعل إيجابي مع نسيج المجتمع القطري المضياف. يغمرني السرور لأن البدايات الفعلية لهذا المشروع انطلقت خلال فترة عملي، وأعده صرحاً سيبقى شاهداً حياً على عمق الروابط بين بلدينا.

أما على الصعيد السياحي، فقد تحولت السياحة إلى جسر حضاري يربط بين الشعبين. نرى اليوم الكثير من الإخوة القطريين يعتبرون تركيا وطنهم الثاني والمفضل، وفي المقابل، بات عدد كبير من الأتراك يحملون لقطر شعوراً بالألفة والقرب. وخلال مواسم الأعياد والإجازات، تسعد الدوحة باستقبال أعداد غفيرة من السياح الأتراك، وهو ما ينعكس جلياً في إقبالهم على الفنادق والمرافق السياحية القطرية الراقية.

لقد كنت ألمس هذا التآلف الوجداني يومياً. حين يحدثني أخ قطري بشغف عن مدينة تركية يعشقها، أو يسرد لي مواطن تركي تجربة فريدة عاشها في رحاب قطر، أوقن تماماً أن المسافات الجغرافية قد تلاشت بين البلدين.

نحن نؤمن إيماناً قاطعاً بأنه كلما تعمقت الروابط الشعبية، ازدادت العلاقات السياسية والاقتصادية رسوخاً وقوة. ففي نهاية المطاف، قد تُبرم الحكومات المعاهدات والاتفاقيات، لكن نبض الشعوب وتآلفها هو ما يمنح هذه العلاقات روحها الحية، وهو الضمانة الأكيدة لاستمراريتها وخلودها.

• كرم الشعب القطري 

◄ عُرفتم خلال فترة عملكم سفيرًا بحرصكم على زيارة المجالس والمشاركة في مختلف المناسبات، وقربكم من المجتمع القطري. كيف وجدتم المجتمع القطري؟ وما أبرز الصفات والقيم التي لفتت انتباهكم خلال إقامتكم في الدوحة؟

هذا السؤال تحديداً يلامس شغاف قلبي ويستدعي في خاطري شريطاً من الذكريات الجميلة؛ لأن علاقتي بدولة قطر لم تكن يوماً محصورة داخل أروقة السفارة أو مقيدة ببروتوكولات العمل الدبلوماسي. لقد أمضيت هنا ست سنوات، غصت خلالها في نسيج المجتمع القطري، وعرفته عن قرب، وتأصلت علاقاتي في بيوت ومجالس هذا الشعب الكريم، مشاركاً إياهم أفراحهم، وأتراحهم، وكافة مناسباتهم الاجتماعية.

لو بحثت عن الكلمة الأولى التي تقفز إلى ذهني حين أستحضر المجتمع القطري، لقلت بلا تردد: «الكرم». بيد أنني لا أعني هنا كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال فحسب، بل أقصد «كرم المشاعر والأخلاق». حين يُشرع المواطن القطري أبواب بيته ومجلسه أمامك، تشعر فوراً أنه لا يستقبلك بصفة السفير، بل يحتضنك كأخ وصديق حميم.

وأذكر، في مواقف لا حصر لها، أنني كنت ألج مجلساً أو أحضر مناسبة وأنا بالكاد أعرف الحاضرين، وما هي إلا دقائق معدودة حتى أشعر بألفة غامرة وكأنني أعرفهم منذ سنوات طوال. هذه الروح القطرية الأصيلة، المفعمة بالبساطة والنقاء والقرب من القلب، صبغت فترة إقامتي هنا بطابع استثنائي ودفء لا يُنسى.

أما القيمة الأسمى التي أسرتني في هذا المجتمع، فهي «الوفاء». الإنسان القطري مجبول على حفظ الود، ولا ينسى أبداً من أخلص له أو وقف إلى جانبه، وهي سمة أصيلة تتقاطع بشكل وثيق مع القيم المتجذرة في طبيعة الشعب التركي. ولعل هذا التقارب في منظومة القيم والأخلاق هو ما جعل التآلف بيننا أمراً فطرياً وسلساً للغاية.

لقد تعلمت من المجالس القطرية العريقة أن المجلس ليس مجرد فضاء للالتقاء؛ بل هو مؤسسة اجتماعية ومدرسة حقيقية في أصول العلاقات، واحترام الكبير، وإكرام الضيف. ومن خلال هذا الفضاء، تتاح لك فرصة نادرة لاكتشاف النبض الحقيقي للمجتمع بعيداً عن صرامة المكاتب والرسميات.

اليوم، وبعد انقضاء مهامي، قد تتلاشى من ذاكرتي بعض تفاصيل الاجتماعات الدقيقة أو الملفات المعقدة، لكنني أوقن أن الوجوه البشوشة، والبيوت العامرة، والمجالس التي فتحت لي ذراعيها، ستظل محفورة في وجداني ما حييت.

لذا، حين أُسأل: ماذا ستحمل معك في حقائب العودة من قطر؟ أجيب بيقين: سأحمل معي « علاقاتي مع الناس وذكرياتهم الطيبة». لأن أثمن الهبات التي منحتني إياها قطر لم تكن منصباً رفيعاً أو جاهاً دبلوماسياً، بل كانت أصدقاءً أنقياء وأناساً كراماً تركوا بصمة لا تُمحى في قلبي.

أغادر الدوحة اليوم وأنا أحمل قناعة راسخة بأنني لم أكن مجرد سفير للجمهورية التركية هنا، بل كنت وسأظل صديقاً مخلصاً لقطر وأهلها. وهي رابطة وجدانية أضرع إلى الله أن تستمر وتزداد رسوخاً حتى بعد طي صفحات مهمتي الرسمية.

◄ عشتم تجربة استثنائية خلال استضافة دولة قطر بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022. برأيكم، إلى أي مدى أسهم هذا الحدث العالمي في تعزيز مكانة قطر وحضورها على الساحة الدولية؟ وكيف أسهمت تركيا في دعم هذا الإنجاز التاريخي؟

لقد جسدت بطولة كأس العالم في قطر لحظة تاريخية فارقة، ليس فقط لدولة قطر، بل لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، وأراها بلا شك مصدر فخر واعتزاز لكل الأمة الإسلامية. لقد عايشتُ في الدوحة كيف تحولت هذه الدولة الشقيقة، في غضون فترة وجيزة، إلى ملتقى حضاري يجتمع فيه العالم بأسره، وكيف أثبتت دولة عربية وإسلامية قدرتها الفائقة على استضافة أضخم حدث عالمي، وإخراجه بمستوى تنظيمي يفوق التوقعات.

أعتقد جازماً أن هذا الإنجاز في حد ذاته كان رسالة حضارية بليغة. في البدايات، سادت بعض الأوساط تساؤلات وتشكيكات حول قدرة دولة شرق أوسطية على تنظيم محفل بهذا التعقيد والضخامة. لكن قطر ردت على المشككين بالأفعال، مبرهنة أن النجاح لا يقاس بالرقعة الجغرافية للدولة، أو موقعها، أو خلفيتها الثقافية، بل يُقاس بالعزيمة والإرادة، والقدرة، ودقة التخطيط، وروعة التنظيم.

وعلى الصعيد التركي، غمرتنا سعادة بالغة وحرصنا على أن نكون شركاء فاعلين في صناعة هذا المنجز. وقد تجلى ذلك عبر مساهمة كبريات الشركات التركية في تشييد وتنفيذ حزمة من المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالبطولة، فضلاً عن التنسيق الوثيق والتعاون المشترك في المجالات الأمنية والتنظيمية. كنا نتابع وتيرة العمل بشغف بالغ، تحدونا قناعة راسخة بأن نجاح قطر يمثل نجاحاً مظفراً لتركيا أيضاً.

من وجهة نظري الشخصية، الإرث الأعظم الذي خلفته هذه البطولة لم يقتصر على الصروح الرياضية المبهرة أو الإبهار التنظيمي، بل تجلى في الصورة المشرقة والحقيقية التي حملها العالم عن دولة قطر وعن منطقتنا برمتها. لقد توافد الملايين إلى هنا، واختبروا الحياة في كنف المجتمع القطري المضياف، وتعرفوا عن كثب على ثقافته، وتقاليده الأصيلة، وكرمه البالغ، ليكتشفوا بأنفسهم زيف الصور النمطية المغلوطة التي رُسمت عن منطقتنا.

لذا، أؤكد أن إرث كأس العالم يتجاوز حدود الرياضة بمراحل؛ فقد غرس في نفوس القطريين والشعوب العربية والإسلامية ثقة متجددة وعميقة بأننا نملك الكفاءة العالية لصناعة واستضافة أضخم الأحداث العالمية، وأننا قادرون على تقديمها بصبغتنا الخاصة، مستندين إلى ثقافتنا وهويتنا الأصيلة، ومكللين بنجاح استثنائي يرفع رأس الأمة عالياً.

◄ كيف ترون مستقبل العلاقات القطرية التركية خلال السنوات المقبلة؟ وما الملفات أو المجالات التي تتوقعون أن تشهد زخما أكبر في المرحلة القادمة؟

أنظر إلى مستقبل هذه العلاقات بعين ملؤها التفاؤل واليقين المطلق.

الأساس متين، والثقة المتبادلة راسخة كالجبال، والقيادتان الحكيمتان تملكان إرادة سياسية حازمة وواضحة للمضي قُدماً في تعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية.

أتوقع أن تشهد الحقبة القادمة قفزات نوعية ومزيداً من التضافر في قطاعات الاقتصاد، والاستثمار، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والتعليم، والسياحة.

بيد أن تطلعي الأهم والأسمى هو أن نضاعف استثماراتنا في «العنصر البشري»؛ في شبابنا، وطلابنا، وباحثينا الأكاديميين، ورواد الأعمال، ومؤسسات المجتمع المدني. إيماني الراسخ أن الضمانة الأقوى لاستدامة مستقبل العلاقات بين الدول، تكمن في تلاقي الأجيال الشابة، وتعارفهم عن قرب، وتجذر الإحساس لديهم بأن ما يربطهم هو علاقة عضوية وطبيعية قائمة على الأخوة والمصير المشترك.

لا يساورني أدنى قلق على مستقبل العلاقات القطرية – التركية. بل على العكس تماماً، أنا موقن بأن الفصول الأجمل والأكثر إشراقاً في قصة تحالفنا لم تُكتب بعد.

◄ ما النصيحة التي تودون تقديمها لخلفكم لمواصلة البناء على ما تحقق وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟

لدي ثقة تامة ومطلقة بأن سعادة السفير الجديد يتمتع بحنكة دبلوماسية رفيعة ومعرفة عميقة بشؤون المنطقة، يُضاف إلى ذلك إلمامه الوثيق باللغة العربية وثقافتها الأصيلة؛ وهي مقومات ستكون له خير معين لاستكمال هذه الرسالة النبيلة بكل جدارة واقتدار.

أمنيتي القلبية، ورسالتي، هي أن تُستكمل مسيرة هذه العلاقة بذات الروح التي عايشتها واستلهمتها خلال سنوات عملي: روح الثقة المطلقة، والاحترام المتبادل، والأخوة الصادقة. أطمح أن يأتي اليوم الذي نرى فيه هذه الروابط قد بلغت مستويات من القوة والعمق تفوق ما هي عليه اليوم، وأن تنظر الأجيال القادمة إلى الصرح الذي شيدناه كقاعدة صلبة ينطلقون منها لبناء صروح أعظم.

◄ كلمة ختامية؟ 

إن كنت أُنهي مهامي الرسمية وأُغادر منصبي كسفير للجمهورية التركية لدى دولة قطر، فإن قلبي ووجداني سيبقيان معلقين بقطر وأهلها الكرام. فهذه السنوات الست التي تشرفت بقضائها بينكم، لم تكن مجرد محطة عمل دبلوماسية عابرة، بل كانت نبضاً حياً من العمر، ودفئاً إنسانياً عميقاً استشعرته في مجالسكم العامرة بالمحبة والكرم والشهامة، تلك المجالس التي فتح لي فيها القطريون قلوبهم قبل أن يشرعوا لي أبوابهم.

إن مغادرة الدوحة اليوم، لا تعني بالنسبة لي طي صفحة لدبلوماسي انتهت فترة ابتعاثه؛ بل هي وداع ذو شجون، لبلد أصبح وجهاً مشرقاً في ذاكرتي، وجزءاً أصيلاً ومكيناً من وجداني.

وأملي الصادق أن أعود إلى دوحة الخير دائماً؛ لا تحملني إليها صفة رسمية، ولا تقيدني ألقاب ومراسم السفر، بل عودة أخ وصديق يدفعه الشوق والحنين إلى أرض استشعر فيها دفء الوطن الثاني، وعرف فيها أصدقاء أوفياء كراماً، سيبقون الأقرب إلى الروح، مهما باعدت بيننا المسافات والدروب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى