مقالات

الجزيرة في ذكراها الثلاثين.. الانحياز إلى الإنسان

تحتفل شبكة الجزيرة الإعلامية اليوم بالذكرى الثلاثين لانطلاقتها في الأول من نوفمبر 1996، والتي مثلت محطة فاصلة في تاريخ الإعلام العربي والعالمي.

لم تكن الجزيرة مجرد قناة تبث عبر أقمار صناعية في فضاء مليء بمئات وآلاف من القنوات الفضائية، ولم تكن هي ترغب بذلك بأن تكون مجرد رقم في هذا المسلسل.

قبل انطلاق الجزيرة كانت البوصلة العربية أنظمة وحكومات وشعوبا تتجه نحو الغرب في تتبع مصادر الأخبار، ولم تكن هناك مؤسسة إعلامية عربية تحظى بالمصداقية العالية والموثوقية الكبيرة، في نقل ما يدور على الساحة العربية لدى المواطن العربي، فالشريحة الغالبة من الشعوب العربية تنظر بريبة إلى ما كانت تبثه مؤسسات الإعلام الرسمي، ولم تكن مساحة تلك الشعوب مساحة مقنعة لطرح قضاياها الحقيقية، أو تلك التي تختلف فيها مع الرأي الرسمي، وإن كانت آراء عقلانية، فالرأي الآخر يكاد يكون مغيبا في الإعلام العربي قبل الجزيرة، وهذه حقيقة.

كنا نستقي أخبار العالم العربي من مؤسسات إعلام غير عربية، والمؤكد أن تلك المؤسسات تبث السم بالعسل في كثير من الأحيان، وتحاول تشويه الحقيقة في كل ما يتعلق بقضايا أمتنا وشعوبها، لصالح سرديات وروايات تخدم دولا وأمما أخرى، وربما كانت الصورة أكثر وضوحا خلال طوفان الأقصى، عندما عرَّى هذا الطوفان كثيرا من مؤسسات إعلامية وسياسية وفنية وثقافية – غربية وأمريكية، ومعها سياسيون كثر، في حين كانت الجزيرة الأجرأ – كالعادة – في نقل الحقيقة من قطاع غزة المنكوب، الذي دمرته الآلة العسكرية الصهيونية، في حرب إبادة وحشية لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا.

في مسيرة الجزيرة – رغم قصرها – إنجازات إعلامية كبرى، يمكن أن يُكتب عنها الكثير، ويُقال عنها الكثير، ويُسجل فيها الكثير أيضا، لكن باعتقادي أن الإنجاز الأهم هو الانحياز إلى الإنسان وحقه في المعرفة والاطلاع عن كثب على ما يدور من حوله وفي مجتمعاته.

منحت الجزيرة الإنسان العربي الحق في معرفة الواقع بكل شفافية وموضوعية ومصداقية، بعيدا عن «المكياج» الرسمي، لكنها في الوقت الذي أتاحت للمواطن العربي أن يقول رأيه، فإنها لم تمنع الرأي الرسمي في العالم العربي من الظهور على شاشاتها ونشراتها، فكان شعارها من اليوم الأول لانطلاقتها «الرأي والرأي الآخر»، ودفعت في سبيل هذا الشعار الكثير من التضحيات، لأنها آمنت به فعلا وعملا وليس مجرد شعار براق.

وإذا كنا نتحدث عن الجزيرة كمؤسسة إعلامية، فإنه من الواجب الحديث عن صاحب فكرة هذه المؤسسة الإعلامية العملاقة، التي غيرت المشهد الإعلامي في العالم العربي، وحركت المياه الراكدة في الإعلام العربي، فكان ما بعد 1996 ليس كما كان بعدها، إعلاميا وسياسيا وفكريا وثقافيا.

الرجل والدولة

صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، والذي نفتقده اليوم في هذا الاحتفال، له الفضل – بعد الله – في ظهور الجزيرة، فهذا المشروع الإعلامي يمثل إرثا واحدا من ضمن مئات ما تركه سمو الأمير الوالد، رحمه الله، وإرثا ليس لقطر وأبنائها فحسب، بل للأمة جمعاء، فقد كان، رحمه الله، يؤمن إيمانا عميقا بحق الشعوب في المعرفة وتدفق المعلومات، وتحمل في سبيل استمرارية هذا المشروع الكثير، كما تحملت قطر الدولة والقيادة الكثير أيضا، فـ«الحقيقة» في كثير من الأحيان سواء عند الدول أو حتى الأفراد غير مرغوبة، ولطالما سعت أنظمة ودول إلى دفن الحقيقة.

دولة قطر آمنت بالجزيرة، وقدمت بل دفعت أثمانا في سبيل ذلك، وهي حتى اللحظة مواقفها راسخة وثابتة في دعم الجزيرة، المؤسسة الإعلامية التي شكلت وعيا نوعيا لدى شرائح واسعة من الشعوب العربية، خاصة الأجيال التي ولدت وترعرعت وهي ترى وتسمع حقائق واقعنا العربي، دون الحاجة إلى قنوات أجنبية تبث من عواصم غربية كانت تحتكر ما يسمى بالمعلومة والخبر.

نعم قطر تحملت تبعات هذا المشروع، لكن دون مَنٍّ أو أذى، بل تركت للقائمين على هذه الشبكة رسم السياسة التحريرية دون تدخل أو فرض رأي، بل وعلى شاشتها رأينا انتقادا للسياسة القطرية من شخصيات وسياسيين على شاشة الجزيرة ومن داخل استوديوهاتها ويتواجدون في عاصمتها الدوحة، دون أن يتم مصادرة رأي أو توقيف شخصية انتقدت قطر وسياستها، وظلت الجزيرة تستضيف حتى أولئك الذين يختلفون معها.

كثيرون حاولوا إيجاد «جزيرة» ولو «صناعية» لكنهم فشلوا لأسباب ربما أبرزها الإيمان بالمشروع، ومساحة الحرية، ورفع اليد عن سياستها التحريرية.

نتمنى أن تكون هناك أكثر من «جزيرة» في عالمنا العربي، تتعامل مع الإنسان العربي وقضاياه بكل شفافية ومصداقية ومهنية، تحترم عقله وفكره وإن اختلفت معه.

اليوم الجزيرة وهي تحتفل بالذكرى الثلاثين، فإنها أكثر ثباتا على مبادئها، وأكثر مهنية في سياستها، وأكثر مصداقية لدى جمهورها. إنها أكثر نضجا، وأكثر عطاء وإبداعا.

رحم الله المؤسس وصاحب الفكرة وداعمها، كان يستشرف المستقبل عندما حمل على عاتقه هذا المشروع بكل اقتدار، وأصر على إنجازه رغم كل التحديات والعقبات.

قطر الدولة والقيادة عودتنا دائما انتصارها لقضايا الإنسان، ودفاعها عن الشعوب وقضاياها دون أجندات ودون منٍّ أو أذى، رعت الجزيرة وتبنتها – ولا تزال – رغم كل الأثمان، لأنها تؤمن إيمانا مطلقا بالحرية المسؤولة، وبحق الشعوب في معرفة الحقيقة بكل مهنية ومصداقية بعيدا عن التزييف.

ستظل الجزيرة رافعة لواء «الرأي والرأي الآخر» ولن تتزحزح عن سياستها التحريرية، لأنها منطلقة من قناعات ثابتة ومبادئ راسخة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى