مقالات

خطاب الأمير.. صوت الحكمة في زمن الحروب

خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لامس جوهر قضايا المنطقة، وجاء بمثابة صوت الحكمة والعقل والسلام في عالم مأزوم مليء بالحروب والصراعات والأزمات. 

كانت رسالة سمو الأمير المفدى واضحة بأن الحلول الدبلوماسية أفضل وسيلة للخروج من الأزمات والنزاعات وأن لغة الحوار والتفاوض السبيل الوحيد لحل الخلافات.

قدم سمو الأمير في خطابه التاريخي رؤية متكاملة لكل ما يجري في منطقتنا والعالم محذرا من أن منطقتنا تمر بأخطر مراحلها، مؤكدا قناعته بأن حل أزمة الخليج يتم عبر الطرق الدبلوماسية، مشدداً بأنه لا يجوز تفويت فرصة الحل الدبلوماسي السلمي.

هذه الرؤية نابعة من ثوابت سياسة قطر الخارجية وفي مقدمتها دعم الحوار والوساطة، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، ورفض الانتقائية في تطبيق قواعد الشرعية الدولية، وترسيخ السلام والاستقرار لتحقيق التنمية والازدهار.

صوت قطر في الأمم المتحدة كان صوت السلام والصوت الموازي للمنظمة الأممية التي عجزت عن القيام بمبادرات لخفض التصعيد باعتراف أمينها العام، فكان صوت قطر معبراً عن الضمير العالمي، وملبياً لحاجة المجتمع الدولي إلى دور فاعل ومؤثر وقادر على الوساطة وفتح قنوات الحوار مع مختلف الأطراف مهما كانت الصعوبات ومهما اشتدت النزاعات.

خطاب سمو الأمير أمام الأمم المتحدة استند إلى الركيزة الأساسية في سياسة قطر الخارجية وهي الدعوة إلى تفكيك المسببات الحقيقية للأزمات والنزاعات المسلحة، وعدم ترك الأزمات تتراكم والاكتفاء بالحلول المؤقتة، باعتبار أن الحلول المستدامة تحقق السلام الذي هو حجر الأساس في بناء أي نهضة حضارية وإنسانية.

نظام إقليمي للأمن الجماعي 

لقد حرص سمو الأمير المفدى على تشخيص الأزمة التي تمر بها منطقتنا موضحا أن جوهر الوضع الخطير في المنطقة يتمثل في غياب نظام إقليمي للأمن الجماعي، يحترم سيادة الدول وسلامتها ووحدة أراضيها، ويشجع على حل النزاعات بالطرق السلمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ولذلك جدد سمو الأمير المفدى مطالبته بإنشاء هذا النظام، لأن الأحداث الأخيرة أثبتت الحاجة الملحة إليه، في ظل إمكانية اندلاع حرب على أساس اعتبارات لا ترتبط بمصالح دول المنطقة، وزج دول مجاورة في حروب ليست حروبها.

سبق لدولة قطر أن دعت إلى إيجاد هذه المظلة الأمنية، التي توفر بالفعل ضمانا لعدم تكرار المغامرات، في منطقة تعبت شعوبها من الحروب والصراعات والأزمات لعقود عديدة، وهي دعوة لو وجدت آذانا صاغية لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من حرب تجاوزت آثارها المنطقة إلى العالم أجمع.

وكان سمو الأمير واضحا بتحذيره من إغلاق ممر مائي دولي يعبره ربع تجارة الطاقة في العالم وتحويل شرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط ومساومة، يدفع ثمنه الناس في مختلف القارات، حيث رفعت أسعار الغذاء والدواء وأثرت في أرزاق شعوب لا علاقة لها بالصراع.

هذه النقطة تؤكد على مواقف قطر الثابتة والدائمة بأن الملاحة البحرية يجب إبعادها عن الابتزاز السياسي لكي تبقى سلاسل الإمداد بعيدة عن التجاذبات، والأمر نفسه بالنسبة للغذاء والدواء الذي يجب ألا يستغل في الحروب والأزمات السياسية كأوراق ضغط وابتزاز.

فلسطين الحاضر الدائم 

ومثلما عودنا سمو الأمير، حفظه الله، في خطاباته الأممية فقد كانت القضية الفلسطينية الحاضر الأبرز ولذلك صارح المجتمع الدولي قائلا: لا يمكن الحديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين «نقطة عمياء فيه»، مؤكدا أن ما جرى في غزة هو إبادة جماعية، ومنتقدا مستوى الاستجابة الدولية لوقف الكارثة المستمرة.

لقد لخص سمو الأمير الواقع الفلسطيني بدقة وسمى الأشياء بأسمائها منبها إلى الغطرسة الإسرائيلية التي تتجاوز كل القوانين الدولية، في ظل صمت دولي مما شجع قادة إسرائيليين على المجاهرة بأن الحل الأنسب هو تهجير السكان الفلسطينيين، منتقدا ما وصفه بمحاولات تفسير الرفض العالمي للممارسات الإسرائيلية باتهامات معاداة السامية ونظريات المؤامرة.

ولذلك طالب سمو الأمير إسرائيل بالوفاء بتعهداتها، بما يشمل الوقف النهائي للعمليات والانسحاب من القطاع ورفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية من دون شروط، مشيرا إلى موافقة الفصائل الفلسطينية على ترتيبات جمع السلاح وفق ما نص عليه الاتفاق.

إن قضية غزة وفلسطين ليست مجرد قضية عابرة في الأجندة القطرية، ولذلك أكد سمو الأمير أن قطر لم تتوقف منذ اليوم الأول عن جهود الوساطة لوقف نزيف الدم وتخفيف معاناة المدنيين وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، مشيرا إلى استمرار هذه الجهود لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى سلام دائم.

كما أن قضية الضفة الغربية لا تقل أهمية عما يجري في غزة، حيث تواصل إسرائيل الاضطهاد والفصل العنصري وإرهاب المستوطنين وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وهذا ما يجعل قطر ثابتة على موقفها في دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

القانون يطبق على الجميع 

إن ما تقوم به إسرائيل يضع العالم أمام مسؤولية تاريخية ولذلك قال سمو الأمير: إن التعامل مع إسرائيل وضبط سلوكها يمثلان الامتحان الحقيقي لجدية المجتمع الدولي في إعلاء قيم القانون.

ولعل الموقف الواضح والصريح تجلى في عبارة سموه البليغة في معناها وهي:»أن القانون إما أن يكون واحدا على الجميع، أو يفقد معناه حين يطبق على الضعفاء ويعفى منه الأقوياء».

هموم الأمة العربية 

ولم تكن فلسطين القضية العربية الوحيدة التي طرحها سمو الأمير المفدى، بل جاء خطابه محملا بهموم وهواجس الأمة العربية، من سوريا الى لبنان والسودان واليمن وليبيا والصومال، حيث انتقد سمو الأمير الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا واحتلال أراض إضافية فيها، مؤكدا دعم سوريا في مرحلة التعافي وإعادة البناء، ودعم مؤسسات الدولة وسيادتها واستقلالها ووحدتها الوطنية.

وتطرق سموه الى عدم التزام اسرائيل بالتفاهمات مع لبنان واستمرار احتلال أراض لبنانية وتدمير قرى في جنوب لبنان، مؤكدا دعمه بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية والدعوة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار والقرار 1701.

وفي السودان دعا سموه إلى حوار شامل يقود إلى سلام مستدام ويحفظ وحدته وسيادته، كما أكد دعم المسار السياسي والمصالحة وتوحيد مؤسسات الدولة.

وجدد سموه دعم قطر سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، كما أكد دعم الجهود الأممية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن تحفظ وحدته وسيادته وتحقق الأمن والاستقرار.

خطاب سمو الأمير المفدى شمل الدول العربية وهموم الأمة وذلك جريا على عادته في معظم خطاباته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تضع قطر في أولوياتها رفع الصوت للدفاع عن الدول العربية في زمن تراجع فيه دور المجتمع الدولي.

رسالة الثبات والمرونة 

وكانت الرسالة الأهم في خطاب سمو الأمير المفدى هي قدرة قطر على الجمع بين الدور الدبلوماسي والصمود الداخلي «دفاعاً عن سيادتنا وأرضنا وشعبنا، وعن مقومات حياتنا الطبيعية،» مشيرا إلى ان قطر صممت خططاً اقتصاديةً مرنة، معلنا امام العالم» اننا بقينا على التزامنا بمشاريعنا التنموية، على الرغم من الأثر السلبي البالغ والثمن الباهظ الذي جلبته الحرب».

عبارة من ذهب 

ومن المؤكد أن العالم سيذكر ما قاله سمو الأمير عن تلك الميزة التي تنفرد بها قطر وهي «الجمع بين الثبات والمرونة وإعلاء مصلحة وطننا وشعبه والمقيمين على أرضنا، وقيمنا ليست شعاراً نرفعه، بل واقع نعيشه، ونهج نمارسه» ولعل العبارة التي يجب أن تكتب بأحرف من ذهب هي قول سمو الأمير:» كرامة الوطن لا تقايض، وأن الحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة».

هذا النهج الوطني في دولة قطر هو ثمار غرس لقادة قطر، من المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني رحمه الله إلى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، مشيرا إلى مشاعر الحب والعرفان التي شيع بها سمو الأمير الوالد من شعبه وجميع القوى المحبة للسلام في منطقتنا والعالم، مثمنا سموه ما قامت به الجمعية العامة للأمم المتحدة في عقد جلسة خاصة تكريما لذكرى الأمير الوالد وتقديرا لإرثه.

وامتداداً لهذا النهج أكد سمو الأمير لشعبه وللعالم العمل على مدى سنوات على دراسة المخاطر، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز قدرات مؤسساتنا الوطنية، وبناء احتياطيات إستراتيجية وشراكات دولية موثوقة.

رؤية للتنمية الوطنية 

ومثلما قدم سمو الأمير رؤيته السياسية والدبلوماسية، قدم رؤيته الوطنية التي تقوم على إدراك التكامل بين السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، والاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي، بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030.

إن دور قطر المتعدد الجوانب يجعلها فضاءً مفتوحاً للحوار والتفاعل الثقافي بين الشعوب وتبادل الآراء والتجارب، ولذلك أكد سمو الأمير مواصلة الإسهام في المبادرات الدولية التي تجمع الشعوب وتدعم التنمية؛ مشيرا إلى استعداد الدوحة لاستضافة القمة العالمية الرابعة للإعاقة عام 2028، وبطولة كأس العالم لكرة السلة 2027، إيماناً بدور الرياضة في مد جسور التواصل والتقارب بين الشعوب.

ومثلما بدأ خطاب سمو الأمير واضحا جريئا وحكيما اختتم الحوار بعبارة تجسد سياسة قطر ونهجها وهي: إن التعايش السلمي والحوار ليسا خياراً من بين خيارات؛ إنهما السبيل الوحيد الذي لا يترك خلفه منتصراً ومهزوماً، ولهذا نجدد تمسكنا بميثاق الأمم المتحدة ومقاصده، ونؤكد أن دولة قطر ستكون دائماً ساعيةً للسلام وميسرةً له.

عندما يرتقي العالم إلى مفهوم الخروج من كل النزاعات بعدم وجود منتصر ومهزوم، يعم السلام والأمن والاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى